فَهَذِهِ مَجَالِسُ الذِّكْرِ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَهِيَ الَّتِي حَرَمَهَا اللَّهُ أَهْلَ الْبِدَعِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ سَلَكُوا طَرِيقَ التَّصَوُّفِ .
فَقَلَّمَا تَجِدُ مِنْهُمْ مَنْ يُحْسِنُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ إِلَّا عَلَى اللَّحْنِ ؛ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا ، وَلَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَتَعَبَّدُ ، وَلَا كَيْفَ يَسْتَنْجِي ، أَوْ يَتَوَضَّأُ ، أَوْ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ ، وَكَيْفَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَهُمْ قَدْ حُرِمُوا مَجَالِسَ الذِّكْرِ الَّتِي تَغْشَاهَا الرَّحْمَةُ ، وَتَنْزِلُ فِيهَا السَّكِينَةُ ، وَتَحُفُّ بِهَا الْمَلَائِكَةُ ؟ ! .
فَبِانْطِمَاسِ هَذَا النُّورِ عَنْهُمْ ضَلُّوا ، فَاقْتَدَوْا بِجُهَّالٍ أَمْثَالِهِمْ ، وَأَخَذُوا يَقْرَؤُنَ الْأَحَادِيثَ النَّبَوِيَّةَ وَالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ فَيُنْزِلُونَهَا عَلَى آرَائِهِمْ لَا عَلَى مَا قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهَا ، فَخَرَجُوا عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ إِلَى أَنْ يَجْتَمِعُوا وَيَقْرَأَ أَحَدُهُمْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ يَكُونُ حَسَنَ الصَّوْتِ طَيِّبَ النَّغْمَةِ جَيِّدَ التَّلْحِينِ تُشْبِهُ قِرَاءَتُهُ الْغَنَاءَ الْمَذْمُومَ ، ثُمَّ يَقُولُونَ : تَعَالَوْا نَذْكُرُ اللَّهَ ، فَيَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ ؛ يُمْشُونَ ذَلِكَ الذِّكْرَ مُدَاوَلَةً ، طَائِفَةٌ فِي جِهَةٍ ، وَطَائِفَةٌ فِي جِهَةٍ أُخْرَى ، عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ يُشْبِهُ الْغِنَاءَ ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ هَذَا مِنْ مَجَالِسِ الذِّكْرِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهَا .
وَكَذَبُوا ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ حَقًّا ؛ لَكَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ أَوْلَى بِإِدْرَاكِهِ وَفَهْمِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ ، وَإِلَّا ؛ فَأَيْنَ فِي الْكِتَابِ أَوْ فِي السُّنَّةِ الِاجْتِمَاعُ لِلذِّكْرِ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ عَالِيًا ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } [ الأعراف : 55 ] ؟ ! .
وَالْمُعْتَدُونَ - فِي التَّفْسِيرِ - هُمُ الرَّافِعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالدُّعَاءِ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 342
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٣٤٢