" لَعَنتُّم " : لَحَرَجْتُمْ ، وَلَدَخَلَتْ عَلَيْكُمُ الْمَشَقَّةُ ، وَدِينُ اللَّهِ لَا حَرَجَ فِيهِ : { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ } بالتسهيل والتيسير { وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ } الْآيَةَ .
وإِنما بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحة ( 1 ) ، ووَضْعِ الإِصْرِ والأَغلال الَّتِي كَانَتْ عَلَى غَيْرِهِمْ ( 2 ) . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي صفة نبيه صلّى الله عليه وسلّم : { عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ } ( 3 ) ، وَقَالَ تَعَالَى : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } ( 4 ) ، وَقَالَ : { يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا * } ( 5 ) . وَسَمَّى اللَّهَ تَعَالَى الأَخذ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى النَّفْسِ اعتداءً ، فقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا } ( 6 ) { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } ( 7 ) .
هامش
( 1 ) في ( خ ) : " السمحا " .
وقد بوب البخاري رحمه الله في كتاب الإيمان من " صحيحه " ( 1 / 93 ) بقوله : باب الدين يسر ، وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم : " أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة " اه - .
وهذا التعليق قال عنه الحافظ ابن حجر في " الفتح " ( 1 / 94 ) : " وهذا الحديث المعلق لم يسنده المؤلف في هذا الكتاب ؛ لأنه ليس من شرطه . نعم وصله في كتاب " الأدب المفرد " ، وكذا وصله أحمد بن حنبل وغيره من طريق محمد بن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، وإسناده حسن ، استعمله المؤلف في الترجمة لكونه متقاصراً عن شرطه ، وقوّاه بما دل على معناه ؛ لتناسب السهولة واليسر " .
والظاهر أن الحافظ حسّن إسناده لوجود محمد بن إسحاق ، واستقرّ عنده أن كلًّا من داود بن الحصين وعكرمة ثقة ، بل أخرج البخاري لكلٍّ منهما ، إلا أنه لم يخرج لداود شيئاً من روايته عن عكرمة ، وإنما أخرج له عن شيوخ آخرين ، ورواية داود بن الحصين عن عكرمة منكرة ، والغريب أن ابن حجر نفسه قال في ترجمة داود هذا في " التقريب " ( 1789 ) : " ثقة إلا في عكرمة " ، فغابت عنه هذه العلة .
ثم إن الحافظ ابن حجر رحمه الله أورد لهذا الحديث طرقاً في " تغليق التعليق " ( 2 / 41 - 43 ) لا يخلو شيء منها من مقال ، وبعضها مراسيل جيدة ، وقوّى الحديث بمجموعها ، وانظر : " هدي الساري " ( ص 20 ) .
( 2 ) لقوله سبحانه : { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطِّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ . . . } سورة الأعراف : الآية ( 157 ) .
( 3 ) سورة التوبة : الآية ( 128 ) .
( 4 ) سورة البقرة : الآية ( 185 ) .
( 5 ) سورة النساء : الآية ( 28 ) .
( 6 ) إلى هنا انتهى ذكر الآية في ( خ ) و ( م ) .
( 7 ) سورة المائدة : الآية ( 87 ) .