وَقَالَ : { وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } ( 1 ) ، فَجَعَلَ الْأَمْرَ مَحْصُورًا بَيْنَ أَمْرَيْنِ : اتِّبَاعِ الذِّكْرِ ، وَاتِّبَاعِ الْهَوَى .
وَقَالَ : { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ } ( 2 ) ، وَهِيَ مِثْلُ مَا قَبْلَهَا ، وَتَأَمَّلُوا هَذِهِ الْآيَةَ ، فَإِنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَّبِعْ هُدَى اللَّهِ فِي هَوَى نَفْسِهِ ، فَلَا أَحَدَ أَضَلُّ مِنْهُ .
وَهَذَا شَأْنُ الْمُبْتَدِعِ ، فَإِنَّهُ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ، وَهُدَى اللَّهِ هُوَ الْقُرْآنُ .
وَمَا بيَّنته الشَّرِيعَةُ ( 3 ) ، وبيَّنته الْآيَةُ أَنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى ( 4 ) عَلَى ضَرْبَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ تَابِعًا لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ ، وَلَا صَاحِبُهُ بِضَالٍّ ، كَيْفَ وَقَدْ قَدَّمَ الْهُدَى ( 5 ) فَاسْتَنَارَ بِهِ فِي طَرِيقِ هَوَاهُ ، وَهُوَ شَأْنُ الْمُؤْمِنِ التَّقِيِّ ( 6 ) .
وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ هَوَاهُ هُوَ ( 7 ) الْمُقَدَّمُ بالقصد الأول ، كان الأمر والنهي تابعين بالنسبة إِلَيْهِ أَوْ غَيْرَ تَابِعَيْنِ ، وَهُوَ الْمَذْمُومُ .
وَالْمُبْتَدِعُ قدَّم هَوَى نَفْسِهِ عَلَى هُدَى ( 8 ) رَبِّهِ ( 9 ) ، فَكَانَ أضلَّ النَّاسِ ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى هُدًى .
وَقَدِ انْجَرَّ هُنَا مَعْنًى يَتَأَكَّدُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ ، وهو أن الآيات ( 10 ) الْمَذْكُورَةَ عيَّنت لِلِاتِّبَاعِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ طَرِيقَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : الشَّرِيعَةُ ، وَلَا مِرْيَةَ فِي أَنَّهَا عِلْمٌ وَحَقٌّ وَهُدًى ، وَالْآخَرُ الْهَوَى ، وَهُوَ الْمَذْمُومُ ؛ لِأَنَّهُ لم يذكر في القرآن إلاّ في سياق ( 11 ) الذَّمِّ ، وَلَمْ يَجْعَلْ ثَمَّ طَرِيقًا ثَالِثًا ، وَمَنْ تتبَّع الْآيَاتِ أَلْفَى ذَلِكَ كَذَلِكَ .
ثُمَّ الْعِلْمُ الَّذِي أُحيل عَلَيْهِ ، وَالْحَقُّ الَّذِي حُمِدَ إِنَّمَا هُوَ الْقُرْآنُ وَمَا نَزَلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ( 12 ) .
هامش
( 1 ) سورة الكهف ، آية ( 28 ) .
( 2 ) سورة القصص ، آية ( 50 ) .
( 3 ) في ( ر ) : " وبينت " .
( 4 ) في ( م ) و ( ت ) : " الهدى " .
( 5 ) في ( ر ) : " الهوى " .
( 6 ) في ( ر ) : " المتقي " .
( 7 ) ساقطة من ( غ ) .
( 8 ) في ( غ ) : " هوى " ، وهو خطأ ظاهر .
( 9 ) في ( خ ) و ( ط ) : " الله " .
( 10 ) المثبت من ( ر ) ، وفي بقية النسخ : " الآية " .
( 11 ) في ( م ) و ( ر ) و ( ت ) : " مساق " .
( 12 ) سورة الأنعام ، آية ( 143 ) .