تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
ثُمَّ خُتِمَ الْكِتَابُ بِحُكْمِ مَسْأَلَتِهِ ( 1 ) : فَقَوْلُهُ : " فَإِنَّ ( 2 ) السُّنَّةَ إِنَّمَا سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَرَفَ مَا في خلافها " هو ( 3 ) مَقْصُودُ الِاسْتِشْهَادِ . وَالرَّابِعُ : أَنَّ الْمُبْتَدِعَ قَدْ نَزَّلَ نَفْسَهُ مَنْزِلَةَ الْمُضَاهِي لِلشَّارِعِ ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ وَضَعَ الشَّرَائِعَ وَأَلْزَمَ الْخَلْقَ الْجَرْيَ عَلَى سُنَنِهَا ، وَصَارَ هُوَ الْمُنْفَرِدَ بِذَلِكَ ، لِأَنَّهُ حَكَمَ بَيْنَ الْخَلْقِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ التَّشْرِيعُ مِنْ مُدْرَكَاتِ الْخَلْقِ لَمْ ( 4 ) تُنَزَّلِ ( 5 ) الشَّرَائِعُ ، وَلَمْ يَبْقَ ( 6 ) الْخِلَافُ بَيْنَ النَّاسِ ، وَلَا احْتِيجَ إلى بعث الرسل عليهم السلام . فهذا ( 7 ) الَّذِي ابْتَدَعَ فِي دِينِ اللَّهِ قَدْ صيَّر نفسه نظيراً ومضاهياً ، حَيْثُ شرَّع مَعَ الشَّارِعِ ، وَفَتَحَ لِلِاخْتِلَافِ بَابًا ، وَرَدَّ قَصْدَ الشَّارِعِ فِي الِانْفِرَادِ بِالتَّشْرِيعِ ، وَكَفَى بذلك شراً ( 8 ) . وَالْخَامِسُ : أَنَّهُ اتِّبَاعٌ لِلْهَوَى ، لِأَنَّ الْعَقْلَ ( 9 ) إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَّبِعًا لِلشَّرْعِ ، لَمْ يَبْقَ لَهُ إِلَّا الْهَوَى وَالشَّهْوَةُ ( 10 ) ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ مَا فِي اتِّبَاعِ الْهَوَى ، وَأَنَّهُ ضَلَالٌ مُبِينٌ ، أَلَا تَرَى قول ( 11 ) الله تعالى : { يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ * } ( 12 ) ، فَحَصَرَ الْحُكْمَ فِي أَمْرَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا عِنْدَهُ ، وَهُوَ الْحَقُّ وَالْهَوَى ، وَعَزَلَ الْعَقْلَ مُجَرَّدًا إِذْ لَا يُمْكِنُ فِي الْعَادَةِ إِلَّا ذَلِكَ .
هامش
( 1 ) وهي مسألة القدر كما مرّ ، وكما في سنن أبي داود ( 4 / 202 ) ، تحت رقم ( 4612 ) ، وفيه كلام نفيس في هذه المسألة . ( 2 ) في ( خ ) و ( ت ) : " من " . ( 3 ) في جميع النسخ : " فهو " عدا ( غ ) و ( ر ) . ( 4 ) ساقطة من ( م ) و ( خ ) . ( 5 ) في ( م ) و ( خ ) : " تزل " . ( 6 ) في ( ر ) : " يقع " . ( 7 ) في جميع النسخ : " هذا " ، والمثبت من ( غ ) و ( ر ) . ( 8 ) ساقطة من جميع النسخ عدا ( غ ) و ( ر ) . ( 9 ) في ( ت ) : " العقلل " . ( 10 ) في ( م ) و ( خ ) : " الشهوى " . ( 11 ) في ( ر ) : " إلى قول " . ( 12 ) سورة ص ، آية ( 26 ) .
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني ) — صفحة 68 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي