وقد يعتبر ( 1 ) فيهما بلحظ آخَرَ ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ عَمَلًا تَكْلِيفِيًّا ، وَالثَّانِي نَتِيجَتَهُ ، وَيَكُونُ الْأَوَّلُ اتِّصَافَ الظَّاهِرِ ( 2 ) ، وَالثَّانِي اتِّصَافَ الْبَاطِنِ ، وَمَجْمُوعُهُمَا هُوَ التَّصَوُّفُ .
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالتَّصَوُّفُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ لَا بِدْعَةَ فِي الْكَلَامِ فِيهِ ، لأنه إنما يرجع ( 3 ) إلى التفقه ( 4 ) الذي ( 5 ) يَنْبَنِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ ، وَتَفْصِيلُ آفَاتِهِ وَعَوَارِضِهِ ، وَأَوْجُهِ تَلَافِي الْفَسَادِ الْوَاقِعِ فِيهِ بِالْإِصْلَاحِ ، وَهُوَ فِقْهٌ صَحِيحٌ ، وَأُصُولُهُ ( 6 ) فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ظَاهِرَةٌ ، فَلَا يُقَالُ فِي مَثَلِهِ بِدْعَةٌ ، إِلَّا إِذَا أَطْلَقَ على فروع الفقه التي لم يُؤْلَف ( 7 ) مِثْلُهَا فِي السَّلَفِ الصَّالِحِ ، أَنَّهَا بِدْعَةٌ ، كَفُرُوعِ أَبْوَابِ السَّلَمِ ، وَالْإِجَارَاتِ ، وَالْجِرَاحِ ، وَمَسَائِلِ السَّهْوِ ، وَالرُّجُوعِ عَنِ الشَّهَادَاتِ ، وَبُيُوعِ الْآجَالِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْعُلَمَاءِ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْبِدْعَةِ عَلَى الْفُرُوعِ الْمُسْتَنْبَطَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِيمَا سَلَفَ ، وَإِنْ دَقَّتْ مَسَائِلُهَا ، فَكَذَلِكَ لَا يُطْلَقُ عَلَى دَقَائِقَ فُرُوعِ الْأَخْلَاقِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ أَنَّهَا بِدْعَةٌ ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ يَرْجِعُ إِلَى أُصُولٍ شَرْعِيَّةٍ ( 8 ) .
وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الثَّانِي ( 9 ) فَهُوَ عَلَى أَضْرُبٍ :
أَحَدُهَا : يَرْجِعُ إِلَى الْعَوَارِضِ الطَّارِئَةِ عَلَى السَّالِكِينَ ، إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ نُورُ التَّوْحِيدِ الْوِجْدَانِيُّ ، فَيُتَكَلَّمُ فِيهَا بِحَسَبَ الْوَقْتِ وَالْحَالِ ، وَمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي النَّازِلَةِ الْخَاصَّةِ ، رُجُوعًا إِلَى الشَّيْخِ الْمُرَبِّي ، وَمَا تبين ( 10 ) له في تحقيق
هامش
= شوق . . " ، ثم ذكر أن بعضهم يرى بقاءه ، وبعضهم يرى أنه يأتي ويزول .
انظر : الرسالة ( 1 / 206 ) .
( 1 ) في ( خ ) و ( ط ) : " يعبر " .
( 2 ) في ( م ) و ( خ ) و ( ت ) و ( ط ) : " بلفظ " .
( 3 ) في ( ت ) : " الظر " .
( 4 ) في ( ط ) : " يرجل " .
( 5 ) في ( خ ) و ( ط ) : " تفقه " .
( 6 ) ساقطة من ( م ) و ( خ ) و ( ت ) و ( ط ) .
( 7 ) في ( غ ) : " أصوله " بدون الواو .
( 8 ) في ( م ) و ( خ ) و ( ت ) و ( ط ) : " يلف " .
( 9 ) في ( غ ) : " الشريعة " .
( 10 ) وهو قولهم أن التصوف : الفناء عن نفسه والبقاء بربه .
( 11 ) في ( م ) : " يبن " ، وهي غير واضحة في ( ت ) ، وفي ( خ ) و ( ط ) و ( غ ) و ( ر ) : " بين " .