الْقَوَاعِدِ ، وَلَمَّا بَنَى عَلَى اعْتِمَادِ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ اسْتَوَتْ عِنْدَهُ مَعَ الْأَعْمَالِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ النُّصُوصِ الْمُعَيَّنَةِ ، وَصَارَ مِنَ الْقَائِلِينَ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ ، وَسَمَّاهَا بِدَعًا فِي اللَّفْظِ ، كَمَا سَمَّى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْجَمْعَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ فِي الْمَسْجِدِ بِدْعَةً ( 1 ) ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
أَمَّا الْقَرَافِيُّ فَلَا عُذْرَ لَهُ فِي نَقْلِ تِلْكَ الْأَقْسَامِ عَلَى غَيْرِ مُرَادِ شَيْخِهِ وَلَا عَلَى مُرَادِ النَّاسِ ، لِأَنَّهُ خَالَفَ الْكُلَّ فِي ذَلِكَ التَّقْسِيمِ فَصَارَ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ ( 2 ) .
ثُمَّ نَقُولُ : أَمَّا قِسْمُ الْوَاجِبِ فَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ آنِفًا فَلَا نُعِيدُهُ ( 3 ) ، وَأَمَّا قِسْمُ التَّحْرِيمِ فَلَيْسَ فِيهِ مَا هُوَ بِدْعَةٌ هَكَذَا بِإِطْلَاقٍ ، بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ مُخَالَفَةٌ لِلْأَمْرِ الْمَشْرُوعِ ، فَلَا يَزِيدُ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ إِلَّا من جهة كونه موضوعاً على وزان الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ اللَّازِمَةِ ، كَالزَّكَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ ، وَالنَّفَقَاتِ الْمُقَدَّرَةِ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ( 4 ) ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ منه طرف ( 5 ) .
فإذن لَا يَصِحُّ أَنْ يُطْلَقَ الْقَوْلُ فِي هَذَا القسم بأنه بدعة دون أن يقسم الأمر في ذلك .
وَأَمَّا قِسْمُ الْمَنْدُوبِ فَلَيْسَ مِنِ الْبِدَعِ بِحَالٍ ، ويتبين ( 6 ) ذَلِكَ بِالنَّظَرِ فِي الْأَمْثِلَةِ الَّتِي مَثَّلَ لَهَا ( 7 ) فصلاة ( 8 ) التراويح في رمضان جماعة في المسجد ، قد ( 9 ) قام بها رسول الله ( 10 ) صلى الله عليه وسلم في المسجد ، واجتمع الناس خلفه .
هامش
( 1 ) تقدم تخريج قوله رضي الله عنه في الباب الأول ( ص 50 ) ، وسيذكره المؤلف قريباً .
( 2 ) في هذا تحامل على الإمام القرافي رحمه الله ، فإن قوله هو قول شيخه العز بن عبد السلام ، والتماس العذر لأحدهما دون الآخر غير مقبول .
( 3 ) وهو جمع القرآن كما تقدم ( ص 345 ) .
( 4 ) وذلك في الباب السابع ( 2 / 80 - 82 ) .
( 5 ) وذلك ( ص 54 ) .
( 6 ) في ( م ) و ( ح ) و ( ت ) و ( ط ) : " وتبيين " .
( 7 ) في ( م ) و ( غ ) : " بها " .
( 8 ) في ( خ ) و ( ط ) : " بصلاة " .
( 9 ) في ( خ ) و ( ط ) : " فقد " .
( 10 ) في ( ط ) : " النبي " .