تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء ) — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧

عدل ابن طولون

لما عزم أحمد بن طولون على بناء الجامع المعروف به في مصر القاهرة أنفق عليه مائة ألف دينار ، ورتب فيه للعلماء والقراء وأرباب الشعائر والبيوت في كل شهر عشرة آلاف دينار ، وللصدقة في كل يوم مائة دينار ، وكان مشتملاً على خصال حميدة منها : أن فقيراً كان بجواره وله امرأة وبنت ، وكان يغزلان الصوف لتجهيز البنت ، وإن البنت لم تفارق البيت وما نظرت إلى السوق قط ولا خرجت ، فسألت أمها وأباها أن تخرج معهما إلى السوق ، فواعدها بذلك . فلما قصدا بيع الغزل خرجت معهما إلى السوق فمروا بباب الأمير المسمى بالفيل ، وتمادى الأب والأم ، وتركاها ولم يشعرا بوقوفها فبقيت البنت حائرةً لا تدري أين تذهب ، وكانت ذات جمال عظيم ، فخرج الأمير المسمى بالفيل ، فلما رآها افتتن بها ، فأمسكها ودخل بها ثم أمر الجواري أن يغسلنها ، وينظفنها ويلبسنها أحسن الملبوس ، ويطيبنها بأنواع الطيب ، ويحلينها له ، ففعل ذلك فدخل عليها وأزال بكارتها . هذا وأبواها قد حزنا عليها ولم يزالا يطوفان عليها جميع الأماكن ، فلم يقعا لها على خبر ، فلم يزالا يبكيان . فلما جن الليل ، وإذا بشخص يطرق الباب ، فخرج أبوها وفتح الباب فقال الرجل لأبيها أن الأمير المسمى بالفيل أخذ ابنتك وأزال بكارتها ، فلما سمع ذلك كاد يجن . وكان لأحمد بن طولون مؤذن وكان قد عاهده على أنه إذا حدثت فاحشة من الفواحش يؤذن في غير الوقت ليحضره ويستفهم منه الواقعة ، وكان المؤذن بينه وبين أبي البنت صداقة . فجاء إليه وأخبره بخبره ، فصعد وأذن فسمعه أحمد بن طولون ، فأرسل خلفه ، فأخبره بالقضية فاستدعى بأبوي البنت وخبأهما في خزانة وكان وقت مجيء الفيل للخدمة ، فلما دخل على عادته ، قال له : نهنيك بالعروس الجديدة . فقال : ومن أين لي عروس جديدة ؟ قال : أتنكر وهذا أبو الجارية وأمها ؟ فلما رآهما نكس رأسه خجلاً من الأمراء الحاضرين ، فقال له أحمد ابن طولون : ارفع رأسك ثم قال لأبيها : تزوج ابنتك مملوكي هذا على صداق قدره ألف دينار مقدمةٌ وخمسمائة دينار مؤجلة . فقال : نعم . فأمر بإحضار الشهود وعقد العقد بينهما ووضعوا خطوطهم ثم بعد انصراف الشهود أمر السياف بضرب عنق الفيل ، فرماه بين يديه ، وقطع رأسه . وقال أحمد بن طولون لأبي الجارية : ابنتك ورثت زوجها وقد مكنتها مما بقي من تركته ، فامضوا مع السلامة .
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء ) — صفحة 307 | محمد دياب الإتليدي / محمد أحمد عبد العزيز سالم