تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء ) — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
بعضهم بعضاً ، وجعل طاعته عليهم فرضاً وأنزلهم منزلة الأولاد ، وأذهب ما بينهم من الأحقاد ، وأراحهم من السعي في الدنيا وفرغهم للعمل في الأخرى ، أغنى القاصد وأرضى الوارد ، فجميع أهل عمله داعون للملك يودون النظر إلى وجهه الكريم والسلام . فلما وصل الكتاب منه إلى الملك فكر فيه وقال لوزيره : إن فلاناً لم يكن عندي بمتهم ، فإن كتابه هذا يدل على ظلم العامل ، فالتمس لي رجلاً يصلح لعمله ، فإني قد عزلته . فقال الوزير : أصلح الله الملك ، وكيف ذلك ؟ قال : لأن قوله آخذاً بالحزم عاملاً بالعزم أي أنه خائف مني لما اعتمده في الولاية ، وأما قوله ساوى بين رعيته وعدل بينهم في أقضيته ، فمعناه أنه لم يخص أحداً بظلمه بل الجميع سواء ، وقوله : وأرضى بعضهم بعضاً : أي ذهبت أحقادهم لأن الشدائد تذهب الأحقاد ، وقوله : أنزلهم منزلة الأولاد ، معناه أخذ أموالهم ورأى أنها له أخذاً من قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أنت ومالك لأبيك " . وقوله : وأراحهم من السعي في الدنيا ، معناه أنه أخذ أموالهم ولم يترك لهم ما يسعون به ولا ما به يتجرون . وقوله : فرغهم للعمل في الأخرى ، معناه أنهم لزموا المساجد والعبادة لفقرهم . وقوله : أغنى القاصد وأرضى الوارد فإنه يعني نفسه ، أي أنه أعطاه مالاً ليكتب إلي بذلك . وأما قوله : فجميع أهل عمله داعون لنا ، معناه أن يبصرنا الله بأمرهم ، ونطلع على ما هم فيه . وقوله : يودون النظر لوجهنا أي يشكون إلينا ما لقوه منه ويستغيثون بنا . ثم إن الملك طلب العامل وأحضره إلى بابه وأنصف الناس منه ورد عليهم ما كان العامل ظلمهم فيه واقتص منه فيما عليه فيه القصاص ، وقابله على فعله والله أعلم .