تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
وحُكي لي أنه كان بمصر تسعمائة منسجٍ للحُصُر ، فلم يبق إلّا خمسة عشر منسجا ، وقِس على هذا سائر ما جرت العادة أن يكون بالمدينة من باعةٍ وخبازين وعطّارين وأساكفة وخيّاطين وغير ذلك من الأصناف ، فإنه لم يبق من كلّ صنفٍ من هؤلاء إلّا نحو ما بقي من الحصريين أو أقل من ذلك . وأما الدجاج فعُدِم رأسا لولا أنه جُلب منه شيءٌ من الشام ، وحكي لي أن رجلا مصريا شارف الفقر فأُلهِم أن اشترى من الشام دجاجا بستين دينارا ، وباعها بالقاهرة على القماطين بنحو ثمانمائة دينار ، ولما وُجد البيض بيع بيضة بدرهم ثم بيضتين ثم ثلاثا ثم أربعا واستمر على ذلك ، وأما الفراريج فبِيعَ الفرّوجُ بمائة درهم ولبث برهة يباع الفروج بدينار فصاعدا . وأما الأفران فإنّها تُوقَد بأخشابِ الدُّور ، فيَشتَرِي الفرّانُ الدار بالثمن البخس ويقد زروبه وأخشابه أياما ثم يشتري آخر ، وربما كان فيهم من تُنشِّطه نذالته فيخرج ليلاً يجوس خلال الديار فيحتَطِبها ولا يجد ذاعراً . وكثيرا ما تُقفر الدار بمالِكها ولا يجدُ لها مشتريا فيفصِل أخشابها وأبوابها وسائر آلاتها فيبيعها ثم يطرحها مهدومةً وكذلك أيضا يفعلون بدور الكسرا . وأما الهلاليةُ ومعظم الشارعِ ودور الخليج وحارة الساسة والمقس وما تاخم ذلك فلم يبق فيها أنيس ، وإنّما ترى مساكنهم خاوية على عروشها وكثيرا من أهلها موتى فيها ، ومع ذلك فالقاهرة بالقياس إلى مصر في غاية العمارة وأهلها في غاية الكثرة . وأما الضواحي وسائر البلاد فيباب رأسا ، حتى أن المسافر يسير في كل جهة أياما لا يصادف حيوانا إلّا الرِّمم ما خلا البلاد الكبار كقوص وأخميم والمحلة ودمياط والإسكندرية ، فإنّ فيها بقايا ، وأما ما عدا هذه وأمثالها فإنّ البلد الذي كان يحتوي على ألوف خالٍ أو كالخالي . وأما الأملاك ذوات الآجر المعتبرة ، فأن معظمها خلا أو لم يبق دأب أهلها إلّا حراستها بسد أبوابها وتحصين مسالكها أو إسكانها من يحرسها بأجرة ، اللهم إلّا ما كان من الملك في قصبة المدينة فإن بعضه مسكون بأخف أجرة ، وأعرف ربعا في أعمر موضع بالمدينة