تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 6124

مساهمون:

ص٦١٢٤
بما أوجبه الله عليهم ، ولأجل إبلاء العذرِ ، بل نهوا عنه لقصد التعذير مع قيام الحجة عليهم ، وقدرتِهم على دفع المنكرِ ، وعدمِ وجود عذرٍ لهم مسوِّغٍ لما وقع منهم من التعذير ، وذلك كما يفعله من كان قادرًا على دفع ما يراه من المنكر بالفعل من التكلُّم باللسان مع ضعف عزيمةٍ ، وانكسار شكيمةٍ في المواقف التي لا تأثير للكلام فيها معتِقدًا أن مجر تكلُّمِهِ بلسانِه في غير مواطن النفعِ ينفعُه ويقومُ بإسقاط ما أوجبه الله عليه من إنكار المنكرِ ، وهو يعلم يقينًا أنه قادرٌ على دفع المنكر بالفعل ، والأخذِ بيد الظالم ، والحيلولة بينه وبين انتهاك الحرمِ المحرَّمةِ فمن كان بهذه المثابةِ ، وله هذه المنزلة والمكانة ففرضُه تغييرُ المنكر بيده لا تبرأُ ذمتُه ويسقطُ فرضُه بدون ذلك [ 1 ب ] فإذا ترك المنكر وتعلَّل بمجرد توجُّعه وتحسُّره وتَلَهُّفِه في مواقف الخلواتِ بين أحبابِه وأترابه ومعارفه ، فلم يأت بشيء مما أمره الله به ، بل هو التعذيرُ بعينه ، وإن لوى شِدْقَهُ وعَصَر جفْنَه ، وقطَّبَ وجهَهُ فهو عن الأمر الذي أوجبه الله عليه وتعبَّد به بمراحلَ { يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ } ( 1 ) وهكذا استروح إلى مجرد الإنكار بقلبه ، وهو قادر على التكلم بلسانه فهو أيضًا لم يأت بما أمره الله به ، ولا قام بما هو فرضُه . بل ما فعل إلا مجرَّدَ التعذيرِ فقطْ ، لأن الله - سبحانه - أوجب على عباده إِنكارَ المنكر بالقول مع الاستطاعةِ ، ولم يسوغِ العدولَ إلى القول إلا مع عدم الاستطاعةِ للفعل ، ولا سوّغ العدولَ إلى مجرد الإنكار بالقلب إلا مع عدم الاستطاعةِ للقول . وقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال : « من رأى منكم منكرًا فليغيرْهُ بيده ، فإِنْ لم يستطعْ فبلسانِه ، فإِن لم يستطعْ فبقلبِه ، وذلك أضعفُ الإيمانِ » ( 2 ) وهذا الحديث قد اتفق الناسُ على صِحَّتِه ، ولم يخالف في ذلك مخالفٌ . فانظر
هامش
( 1 ) [ البقرة : 9 ] . ( 2 ) أخرجه مسلم رقم ( 49 ) ، وأبو داود رقم ( 1140 ) ، والترمذي رقم ( 2172 ) وقال : حسن صحيح ، والنسائي ( 8 / 111 - 112 ) ، وابن ماجة رقم ( 1275 ) و ( 4013 ) ، وأحمد في ( المسند ) ( 3 / 10 ، 20 ، 49 ، 54 ) من حديث أبي سعيد الخدري . وقد تقدم .