تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 6016

مساهمون:

ص٦٠١٦
نصبَها فهي التي نقلتْ ذلك اللفظَ من حقيقةٍ إلى مجاز ، مثلاً لو سمع السامعُ من أهل اللغة قائلاً يقول : رأيت الأسدَ . لم يحملْه إلاَّ على الأسدِ الحقيقيِّ ، فإن قال بعد قوله : رأيتُ الأسدَ ما يدلُّ على أنه أرادَ المجازَ كأنْ يقول : رأيتُ الأسدَ راكبًا أو معتقلاً [ . . . . . . ] ، ( 1 ) أو متقلدًا سيفًا عرف السامعُ أنه لم يُرِدْ إلاَّ المعنى المجازيَّ . قوله : ويقال : لهم هذا التبادرُ يحصلُ بعد العلم بالوضعِ أم قبلَه ؟ . . إلخ . أقول : هذه العُربُ هم الذين صاروا يتكلَّمون بلغتِهم المعروفة بينهم ، المشهورة عندهم تلقَّاها الآخر عن الأول ، سواءً عرفوا الواضعَ أم لم يعرفُوه ، بل أخذوا ألفاظها ومعانيها عن القوم الذين نشأ بينهم كما يتعلَّم الآن صبيانُنَا ما نتكلَّم به ، سواءً كان لغويًّا أو عُرْفيًّا . وبالجملة فالوضعُ والنزاعُ في الموضوعٍ لهم لا يستلزمُ معرفتَهم للواضعِ ، وأمَّا من قال أنَّ في [ 1 ب ] اللفظِ دلالةً على معناه كالصميري ( 2 ) فهو يقول : إنّ هذه الألفاظَ
هامش
( 1 ) كلمة غير واضحة في المخطوط . ( 2 ) عباد بن سليمان الصيمري أحد رجال الاعتزال المشهورين في عصر المأمون . قال السيوطي في ( المزهر ) ( 1 / 47 ) : نقل أهل أصول الفقه عن عبّاد بن سليمان الصيمري من المعتزلة أنه ذهب إلى أنَّ بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية حاملةٌ للواضع على أن يضع ، قال : وإلا لكان تخصيص الاسم المعيَّن بالمسمّى المُعيَّن ترجيحًا من غير مُرَجِّح ، وكان بعض من يرى رأيه يقول : إنه يعرف مناسبة الألفاظ لمعانيها ، فسُئل ما مسمَّى ( إذغاغ ) وهو بالفارسية الحجر ، فقال : أجدُ فيه يُبْسًا شديدًا وأراه الحجر . وأنكر الجمهور هذه المقاتلة وقال : لو ثبت ما قاله لاهتدى كلُّ إنسان إلى كل لغةٍ ولما صحَّ وضع اللفظ للضدين ، كالقرء للحيض والطهر ، والجَوْن للأبيض والأسود ، وأجابوا عن دليله بأنَّ التخصيص بإرادة الواضع المختار خصوصًا إذا قلنا : الواضع هو الله تعالى ، فإن ذلك كتخصيصه وجود العالم بوقت دون وقت . وأما أهل اللغة والعربية فقد كادوا يطبقون على ثبوت المناسبة بين الألفاظ والمعاني ، لكن الفرق بين مذهبهم ومذهب عبّاد أن عبّادًا يراها ذاتية موجبة ، بخلافهم . وانظر : ( البحر المحيط ) ( 2 / 13 - 15 ) .