وأقول : إنه وقع الاتفاق بين جميع علماء الإسلام . أن الأصلَ في كل شيء الطهارةُ وأن هذا الأصلَ يجبُ استصحابُه ( 1 ) حتى يُعْلَمَ وجودُ الناقلِ عنه ، علمًا شرعيًّا لا مجرَّد الظنون ( 2 ) الفاسدةِ ، التي هي شأن كثير من الموسوسينَ في الطهارةِ ، فإن الانتقالَ عن ذلك الأصل المجمعِ عليه [ اأ ] بشيء من ظنونِ أهلِ الوسوسةِ لم يقل به قائلٌ من أهل العلم ، بل هو غير جائز لا سيما في أبواب تطهيرِ النِّجسِ ورَفْعِ الحدث ولهذا ثبتَ عنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال : " فمن زاد فقد أساءَ ، وتعدَّ وظلم " ( 3 ) .
بل جزم بعض أهل العلمِ بِفِسْقِ الموسوسينَ في الطهارةِ ، المجاوزين للحدود التي شرعها الشارع .
وإذا تقرَّر ما ذكرناه من الإجماع على أن الأشياءَ جميعَها طاهرةٌ أصالة حتى يُعلمَ وجودُ الناقلِ علمًا شرعيًّا .
فاعلم أن الشارعَ قد أشار على هذا الأصلِ ، وأرشدَ إليهن وعمل عليهن وقدَّره في غير موطنٍ ، فمن ذلك حديثُ عبَّادِ بنِ تميم عن عمِّه قال : شكى إلى النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والرجلُ يُخيَّلُ إليه أنه يجد الشيء في الصلاةِ قال : " لا ينصرف حتى يسمع
هامش
( 1 ) يشير إلى استصحاب البراءة الأصلية ويسميها ابن القيم براءة العدم الأصلية كبراءة الذمة من التكليفات الشرعية حتى يقوم الدليل على ذلك التكليف . . . وهي استدامة ما كان ثابتًا ونفي ما كان منفيًّا .
" أعلام الموقعين " ( 1 / 339 ) ، " إرشاد الفحول " ، ( 772 - 780 )
( 2 ) يبنى الاستصحاب على مبادئ منها :
أ - اليقين لا يزول .
ب - الأصل في الأشياء الإباحة .
ج - الأصل براءة الذمة .
وانظر أنواع الاستصحاب وحجيته في " إرشاد الفحول " ( ص 773 - 774 )
( 3 ) أخرجه : أبو داود ، رقم ( 135 ) ، والنسائي رقم ( 140 ) ، وابن ماجة ، رقم ( 422 ) ، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بسند حسن .