بسم الله الرحمن الرحيم
وبعد حمد الله ، والصلاة والسلام على رسوله وآله .
فإنه اتفق أهل العلم أجمع على تحريم الغيبة للمسلم ، وذلك لنص الكتاب العزيز ، والسنة المطهرة .
أما الكتاب [ قوله ] ( 1 ) { وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا } ( 2 ) فهذا نهي قرآني عن الغيبة مع إيراد مثل لذلك يزيده شدة وتغليظا ، ويوقع
هامش
( 1 ) في ( ب ) فقوله تعالى .
( 2 ) [ الحجرات : 12 ] .
قال الألوسي في " روح المعاني " ( 26 / 158 ) تمثيل لما يصدر عن المغتاب من حيث صدوره عنه ومن حيث تعلقه بصاحبه على أفحش وجه وأشنعه طبعا وعقلا وشرعا مع مبالغات من فنون شتى ، الاستفهام التقريري من حيث أنه لا يقع إلا في كلام هو مسلم عن كل سامع حقيقة أو ادعاء ، وإسناد الفعل إلى أحد - إيذانا بأن أحدا من الأحدين لا يفعل ذلك وتعليق المحبة بما هو في غاية الكراهة ، وتمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان ، وجعل المأكول أخا للآكل وميتا ، وتعقيب ذلك بقوله : ( فَكَرِهْتُمُوهُ ) حملا على الإقرار وتحقيقا لعدم محبة ذلك أو لمحبته التي لا ينبغي مثلها .
وكنى عن الغيبة بأكل الإنسان للحم مثله ؛ لأنها ذكرت المثالب وتمزيق الأعراض المماثل لأكل اللحم بعد تمزيقه في استكراه العقل والشرع له .
وجعله ميتا ؛ لأن المغتاب لا يشعر بغيبته . ووصله بالمحبة لما جبلت عليه النفوس من الميل إليها مع العلم بقبحها .
قال أبو زيد السهيلي : ضرب المثل لأخذ العرض بأكل اللحم ؛ لأن اللحم ستر على العظم ، والشاتم لأخيه كأنه يقشر ويكشف ما عليه
انظر : " الجامع لأحكام القرآن " ( 16 / 337 - 339 ) .
قال محيي الدين الدرويش في " إعراب القرآن الكريم " ( 9 / 275 ) : الاستعارة التمثيلية الرائعة في قوله تعالى : ( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ) .
فقد شبه من يغتاب غيره بمن يأكل لحم أخيه ميتا وفيها من المبالغات :
1 - الاستفهام الذي معناه التقرير كأنه أمر مفروغ منه مبتوت فيه .
2 - جعل ما هو الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة .
3 - إسناد الفعل إلى كل أحد للإشعار بأن أحدا من الأحدين لا يحب ذلك .
4 - أنه لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان وهو أكره اللحوم وأبعثها على التقزز حتى جعل الإنسان أخا .
5 - أنه لم يقتصر على أكل لحم الأخ حتى جعله ميتا .
إن الغيبة على ثلاث أضرب :
1 - ) : أن تغتاب وتقول لست أغتاب ؛ لأني أذكر ما فيه فهذا كفر ، ذكره الفقيه أبو الليث في " التنبيه " لأنه استحلال للحرام القطعي .
2 - ) : أن تغتاب وتبلغ غيبة المغتاب فهذه معصية لا تتم التوبة عنها إلا بالاستحلال ؛ لأنه أذاه فكان فيه حق العبد أيضا ، وهذا محمل قوله عليه الصلاة والسلام : " الغيبة أشد من الزنا " قيل : وكيف ؟ قال : " الرجل يزني ثم يتوب فيتوب الله عليه ، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه " .
3 - ) : إن لم يبلغ الغيبة فيكفيه التوبة والاستغفار له ولمن اغتابه .