تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4689

مساهمون:

ص٤٦٨٩
من الدين ، وبتصور ما أمر الله عز وجل به ، من الإخلاص ، وحث عباده عليه ، ويستحضر قول الصادق المصدوق - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : " إنما الأعمال بالنيات " ( 1 ) فإنها قضية كلية جامعة مانعة نافعة ، لا سيما بعد ضم ما ضمه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - إلى هذه الجملة من قوله : " وإنما لكل امرئ ما نوى " ، ثم تصوير ذلك وتمثيله منه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - بقوله : " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، كانت هجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها كانت هجرته إلى ما هاجر إليه " . فإن فارق الإخلاص ، ولو بمسافة يسيرة ، فقد لا يتم له ما يريد بهذا السبب لا بسبب خلل في المقام الذي قامه ، فإنه مقام المرسلين ، والعلماء العاملين ، وعباد الله الصالحين . ورويت في كتب التاريخ [ 8 ب ] قصة ، لبعض القائمين في هذا المقام ، وهو أنه وقف على آنية من الخمر ، قد حمل من بعض المواضع التي يستجاد خمرها لبعض الملوك ، ورأى الحاملين له قد أخرجوها من المركب إلى خارج البحر ليحملوها على الدواب بعد أن حملوها على السفن في البحر فأخذ عودًا ثم ما زال يكسرها ، حتى بقيت واحدة منها ، فوقف عندها قليلاً ، ثم تركها ورمى بالعصى ، فأخذه الواصلون بها ، وقد اجتمع عليه جمع ، وما شكوا أن الملك يقتله ، فلما وصل إلى الملك ، وقد اشتد غضبه ، فقال : ما حملك على ما صنعت من الاستخفاف بنا ، والإقدام على متاعنا ، فقال : لم أستخف بك ، بل فعلت ما أمرني الله به ، وأخذه علي من النهي عن المنكر ، فقال له : فما سبب تركك لواحد منها ، قال : أدركت نزغة من نزغات العجب ، قد أوقعها الشيطان في قلبي ، فتركت كسر ذلك الواجب منها ، كي لا أكسره على غير نية صحيحة مخلصة لله عز وجل . فلما سمع ذلك الملك خلى سبيله ، ولم يكن له عليه سبيل . وفي هذا المقدار كفاية . والحمد لله أولاً وآخرًا ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله .
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه . وهو حديث صحيح .
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4689 | محمد بن علي الشوكاني / أبو مصعب « محمد صبحي » بن حسن حلاق