تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4125

مساهمون:

ص٤١٢٥
لباعَ نفائس الأموال كما نُشاهده في كثير من الأحياء من الجدِّ ، والاجتهاد ، وارتكاب الأخطار ، ومتابعة الأسفار ، والاغتراب من الوطن ، ومفارقة الإلف والمسكن ، كلُّ ذلك للقيام بما يسدُّ فاقة قرائبه ، ويغنيهم عن تكفّف الناس ، وقد يرْتَكبُ الأهوال لتحصِّل الفضلات لهم ، التي لا تمسُّ الحاجة إليها كتشييد الدُّور ، ورفاهة العيش ، ورونق الثياب ، وركوب فاره الدَّواب ، قاصدًا بذلك أن يتجمَّلوا بما جلبه إليهم ، وينبلُوا في الأَعيُن ، ويُجلُّوا في الصدرو ، ويكفوا مؤونة الاحتقار والاضطهاد . وربَّما يقتحم لمثل هذه التخيُّلات ، بَحُوْرُ الهَلَكات ، ونُحُور المعضلات ، فيجود بدينه تارةً في جمع الحطام من الحرام ، ويُسمِّحُ بنفسه أخرى في معارك الحروب والصَّدام ، وكثيرًا ما ترى الأعناق تُضْرَبُ ، والأطراف تُقطَعُ ، ومارِنُ ( 1 ) المروةِ ( 2 ) يُجْدَعُ في محبَّةِ الأولادِ والأحفادِ ، وربَّما يقال أنّ الواقف لمّا صار في دار غير هذه الدار ، ورحل عن دار الاغترار إلى دار القرار ذهَبتْ عنه هذه التُّرهاتُ ، وانْقَشَعَ عنه ظلالُ الغرورِ ؛ فلم تبق له رغبةٌ في غير الأجورِ ، ولا يخطرُ ببالِهِ ما كان عليه من أحوالِ الدنيا وبتصوُّره يُحسِنُ الآن من عطفيه للأقارب ، فهو في موطن يفرُّ المرءُ فيه عن أخيه ، وصاحبته وبنيه ، وفصيلته التي تُؤويه ( 3 ) ؛ فليس له بِدَفْعِ فاقَتِهِم من حاجةٍ ، ولا عنده في بُؤسِهِم وفَقْرِهم لحاجة ، فهو
هامش
( 1 ) مارنُ : مَرن ، يمرن مرانة ومرونة وهو لين في صلابة ومرن الشيء يمرن مرونًا إذا استمر . ومرنت يد فلان على العمل أي صلبت واستمرَّت . وقيل : المارن : الأنف ، وقيل ما لان منه . وقيل طرفه . " لسان العرب " ( 13 / 86 ) . ( 2 ) المروة : حجر أبيض براق ، وقيل هي التي يقدح منها النار . ومروة المسعى التي تذكر مع الصَّفا وهي أحد رأسيه اللذين ينتهي السعي إليهما سميت بذلك . " لسان العرب " ( 13 / 89 ) . ( 3 ) يشير إلى قوله تعالى : { يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ، وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ، وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ } [ المعارج : 11 - 14 ] .