هذا الرسالة جواب عن بحث كتبه إليَّ القاضي محمد بن صالح بن أبي الرجال ( 1 ) .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ وحدَه . حفظكم الله وأمتع حياتكم وكثَّر فوائدكم ولا برِحْتم ، البحث النفيس وصل ، وكنت عزمت على إمساك عِنان الأقلام ، والكفِّ عن تطويل ذويل الكلام ، خشية من أن يُفْضِي البحثُ إلى نوعِ من المراء المنهيِّ عنه المُرْشَدِ إلى خلافه .
يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : " مَن ترك المراء ولو مُحِقًّا " ( 2 ) الحديث .
ولكنْ لما كان تأسيس الصواب وتحقيق مناط الحق من أعظم مقاصد الطلاب حدا بي ذلك إلى مراجعتكم لا لقصد الرد لما حرّرتُم بل لقصد التنبيه لكم . وقبل التعرُّض للكلام على ذلك ينبغي أن يُعلَمَ أولاً أن استعمالَ آداب البحث ( 3 ) والمناظرة بين كل متناظرين أمر متحتمٌ ، ولهذا ترى المباحثة إذ لم يكن ذلكالعلمُ ملحوظًا منها شبيهة بالعبث ، فكثيرًا ما ترى مَن مقامُه المنع قائما في مقام الاستدلال ، ومن مقامُه الاستدلالُ قائما في مقام المنع ، ومن مقامُه النقض أو المعارضة قائما في مقام التصحيح من حيث لا يشعر ، وكلُّ ذلك لإهمال ذلكا لعلم وعدم الالتفات إليه والاعتداد به . وكثيرًا ما يظن مَن لم يُراعِ ذلك حقّ المراعاةِ أنه قد أصاب ، وأخطأ خصمُه أو أخطأ وأصاب خصمه ، ولو عرف ذلك العلم لزال عنه ذلك الظنّ الفاسد .
هامش
( 1 ) محمد بن صالح بن محمد بن أحمد بن صالح بن أبي الرجال ولد سنة 1146 ه وأخذ العلم عن جماعة من أعيان ذلك العصر . مهر في الأدب فنظم الشعر الفائق ، وبالجملة فهو يتوقد ذكاء وفطنة ، وحسن عشرة ومكارم أخلاق وعفة وصيانة وديانة وعلو همة ورياسة واطلاع تام على علم اللغة .
قال الشوكاني في " البدر الطالع " رقم ( 449 ) ويجري بيننا هنالك مذكرات أدبية ومحاضرات تاريخية ومن محاسنه أنَّه إذا رأى منكرًا استشاط غيظًا . توفي سنة 1234 ه - .
" نيل الوطر " ( 2 / 268 - 274 ) .
( 2 ) أخرجه أبو داود في " السنن " رقم ( 4800 ) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه . وهو حديث حسن .
( 3 ) انظر " الكوكب المنير " ( 4 / 370 وما بعدها ) ، " الفقيه والمتفقه " ( 2 / 25 وما بعدها ) .