الذين يقولون : إن الخلق هو المخلوق ، وإن أفعال العباد خلق الله ، فتكون هي فعل الله ، وهي مفعول الله ، فكما أنها خلقُهُ فهي مخلوقة ، وهؤلاء لا يقولون إن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقة ، ولكنهم مكتسبون لها ، وإذا طولبوا بالفرق بين الكسب ( 1 ) والفعل لم يذكروا فرقا معقولا ، ولهذا كان يقال عجائب الكلام [ ثلاثة ] ( 2 ) : أحوال أبي هاشم ( 3 ) ، وطفرة النظام ( 4 ) ،
هامش
( 1 ) الكسب : وهو قول الأشاعرة .
وقد ذكره ابن تيمية في مجموع فتاوى ( 8 / 388 ) : أن أفعال العباد خلق لله عز وجل وكسب للعبد .
وقال في منهاج السنة ( 1 / 458 - 459 ) : - " . . . فجعل أفعال العباد فعلا لله ، ولم يقل : هي فعلهم - في المشهور عنه - الأشعري . إلا على وجه المجاز بل قال : هي كسبهم ، فسر الكسب بأنه ما يحصل في محل القدرة المحدثة مقرونا بها " .
وأكثر الناس طعنوا في هذا الكلام وقالوا : عجائب الكلام ثلاثة : طفرة النظام ، وأحوال أبي هاشم وكسب الأشعري وأنشد في ذلك :
مما يقال ولا حقيقة تحته . . . معقولة تدنو إلى الأفهام
الكسب عند الأشعري والحال عن . . . - د البهشمي وطفرة النظام
( 2 ) زيادة من منهاج السنة ( 2 / 297 ) .
( 3 ) عبد السلام بن محمد الجبائي وهو ابن أبي على الجبائي من رؤوس المعتزلة وتنسب إلى أبي هاشم الطائفة البهشمية من المعتزلة توفي سنة 321 ه وهو من معتزلة البصرة . وأكثر المعتزلة اليوم على مذهبه لأن ابن عباد كان يدعو إلى مذهبه ولهم ضلالات وجهالات كثيرة .
منها قوله بالأحوال : أن العالم له حال يفارق به من ليس بعالم وللقادر حال به يفارق حال العالم ثم كان يقول : إن الحال ليست بموجودة ولا معدومة ولا مجهولة . . . .
. . " .
وكذلك أن الباري عز وجل هو عالم لذاته . بمعنى أنه ذو حالة هي صفة معلومة وراء كونه ذاتا موجودا . وإنما تعلم الصفة على الذات لا بانفرادها فأثبت أحوالا هي صفات لا موجودة ولا معدومة ، ولا معلومة ولا مجهولة أي على حيالها لا تعرف كذلك بل مع الذات .
الملل والنحل ( 1 / 92 ) والتبصير في الدين ص 87 .
( 4 ) النظام : هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار بن هائي النظام وهو ابن أخت أبي الهذيل العلاف وعنه أخذ الاعتزال وهو شيخ أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ .
توفي سنة 221 ه وقالت المعتزلة إنما سمي نظاما لأنه كان حسن الكلام في النظم والشعر وليس كذلك وإنما سمي - النظام - لأنه كان ينظم الخرز في سوق البصرة ويبيعها وكان في حداثة سنه يصحب الوثنية والسمنية الذين يقولون بتكافئ الأدلة وفي كهولته كان يصحب الملاحدة من الفلاسفة .
الطفرة : لغة : الوثبة مختار الصحاح ( ص 394 ) .
وقوله - النظام - بالطفرة ذلك بانقسام كل جزء لا إلى نهاية أي أن أجزاء الجزء لا تتناهى .
وكلمه أبو الهذيل في هذه المسألة فقال : لو كان كل جزء من الجسم لا نهاية له لكانت النملة إذا دبت على البقلة لا تنتهي إلى طرفها ، فقال : إنها تطفر بعضا ، وتقطع بعضا ، وهذا كلام منه لا يقبله عقول العقلاء لأن مالا يتناهى كيف يمكن قطعه بالطفرة . فصار قوله هذا مثلا سائرا يضرب لكل من تكلم بكلام لا تحقيق له ولا يتقرر في العقل معناه .
التبصير في الدين ( ص 71 ) الملل والنحل ( 67 - 70 ) .