تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 699

مساهمون:

ص٦٩٩
للثواب والعقاب ، وهو أن الله خلق للجنة خلقا وللنار خلقا ، وهم في أصلاب الرجال ، وليس المقتضى مجرد العمل . وفي ذلك إشارة إلى حديث : " سددوا وقاربوا ، واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله " ( 1 ) قيل ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " فهذا
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري رقم ( 6467 ) ومسلم رقم ( 2818 ) من حديث عائشة رضي الله عنها . قال الحافظ في الفتح ( 11 / 295 ) : " قال ابن بطال في الجمع بين هذا الحديث وقوله تعالى : { وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [ الزخرف : 72 ] . ما محصله أن تحمل الآية على أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال ، فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال ، وأن يحمل الحديث على دخول الجنة والخلود فيها . ثم أورد على هذا الجواب قوله تعالى : { سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } فصرح بأن دخول الجنة أيضًا بالأعمال ، وأجاب بأنه لفظ مجمل بينه الحديث ، والتقدير ادخلوا منازل الجنة وقصورها . مما كنتم تعملون ، وليس المراد بذلك أصل الدخول . ثم قال : ويجوز أن يكون الحديث مفسرا للآية . والتقدير ادخلوها . مما كنتم تعملون مع رحمة الله لكم وتفضله عليكم لأن اقتسام منازل الجنة برحمته . وكذا أصل دخول الجنة هو برحمته حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك . ولا يخلو شيء من مجازاته لعباده من رحمته وفضله وقد تفضل عليهم ابتداء بإيجادهم ثم برزقهم ثم بتعليمهم ، وقال عياض طريق الجمع أن الحديث فسر ما أجمل في الآية . وبعد ذلك نقل الحافظ كلام ابن الجوزي : يتحصل عن ذلك أربعة أجوبة : الأول : أن التوفيق للعمل من رحمة الله ، ولولا رحمة الله السابقة ما حصل الإيمان ولا الطاعة التي يحصل بها النجاة . الثاني : أن منافع العبد لسيده فعمله مستحق لمولاه ، فمهما أنعم عليه من الجزاء فهو من فضله . الثالث : جاء في بعض الأحاديث أن نفس دخول الجنة برحمة الله ، واقتسام الدرجات بالأعمال . الرابع : أن أعمال الطاعات كانت في زمن يسير والثواب لا ينفد فالإنعام الذي لا ينفد في جزاء ما ينفد بالفضل لا . بمقابلة الأعمال ثم ذكر الحافظ بعد ذلك كلام ابن القيم فقال : قال ابن قيم الجوزية في كتابه " مفتاح دار السعادة " كما في الفتح ( 11 / 296 ) الباء المقتضية للدخول غير الباء الثانية ، فالأولى السببية الدالة على أن الأعمال سبب الدخول المقتضية له كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها ، والثانية باء المعاوضة نحو اشتريت منه بكذا فأخبر أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل أحد ، وأنه لولا رحمة الله لعبده لما أدخله الجنة ، لأن العمل . بمجرده ولو تناهى لا يوجب بمجرده دخول الجنة ، ولا أن يكون عوضا لها . لأنه ولو وقع على الوجه الذي يحبه الله لا يقاوم نعمة الله ، بل جميع العمل لا يوازي نعمة واحدة ، فتبقى سائر نعمة مقتضية لشكرها وهو لم يوفها حق شكرها . ا ه - . انظر فتح الباري ( 11 / 296 )