وعاد إلى معاداة الملك النّاصر ، وكان له مكاتبات إلى التّتار وله قصادٌ ، لِما بقي بالرَّحْبة وتلك البلاد المتطرِّفة ، فلمّا ملك هولاوو قصده فأقبل عليه وأكرمه ، واستعان به في تسلُّم القلاع ، ثمّ ولّاه نيابة الشّام ، وأعاد إليه مدينة حمص ، ولمّا مرّ به الملك النّاصر تحت حَوْطة التّتر نزل به ، فلم يلتفت عليه ووبَّخه وعنَّفه ، ثمّ إنّ الملك المظفَّر قُطُز بعث إليه يستميله ويلُومه على ميْله إلى العدوّ المخذول ، ويَعِدُهُ بأمور ، فأجاب ، فلمّا طلبه النُّوين كَتْبُغَا لحضور المصاف تمرض واعتل بالمرض ، وكان إذ ذاك بدمشق ، فلمّا انكسرت التّتار هرب هو والزَّيْن الحافظيّ والتّتار ، ثمّ انفصل عنهم الملك الأشرف من أرض قارا وسار إلى تَدْمُر ، وراسل السّلطانَ ، فَوفَى لَه ، فقدِم عليه دمشق ، فأكرمه وأقرَّه على مملكة حمص ، فتوجَّه إليها .
ثمّ غَسَل فعائله بالوقعة الكائنة على حمص سنة تسعٍ وخمسين ، وثبت وكسر التّتار ، فنبُل قدْرُهُ ، ورأى له الملك الظّاهر وأعاد إليه تل باشر ، فلما قبض الظّاهر على المغيث عمر المذكور في هذه السّنة تخيّل الأشرف من الملك الظّاهر ، وشرع في إظهار أمورٍ كامنة في نفسه ، وعزم الملك الظّاهر على الوثوب عليه ، فقدّر الله مرضه ووفاته ، ويُقال إنّه سُقِي .
ذكره قُطْبُ الدّين ، فقال : كان ملكًا حازمًا ، كبير القدْر ، يقِظًا ، خبيرًا ، شجاعًا ، كبير النّفس ، له غَوْر ودهاء ، وكان وافر العقل ، قليل البسْط والحديث ، يُقيّد ألفاظه ويلازم النّاموس حتّى في خلواته ، ويحّذُو حُذو الصّالح نجم الدّين أيّوب ، وخلف أموالًا عظيمة من الجواهر والذّهب والذّخائر ، وتسلَّم الملك الظّاهر بلاده وحواصله ، تُوُفّي في صفر بحمص وله خمسٌ وثلاثون سنة ، ودُفِن بتربة جده الملك المجاهد .
وقال أبو شامة : كان شاباً عفيفًا ، له صلاتٌ إلى مَن يقصده ، وكسر التّتار بحمص .
وقال ابن شدّاد : ملك الرَّحْبة ، وحمص ، وتدمُر ، وزلوبية بعد أبيه ، وخرج من دمشق مع النّاصر في نصف صفر ، ففارقه من الصَّفَّين ، وسار إلى
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 63
مساهمون: الذهبي
ص٦٣