ورجع الباقون خائبين ، وقيل : إن أهل تونس تحيّلوا حتّى سمّوه ، وأراح الله الإسلام منه .
ولقد كاد أن يستولي على إقليم مصر ، فإنّه نَازَل دِمياط ، فهرب منه العسكر الّذي تجاهها لحِفْظها ، فلمّا رأى المقاتلة الّذين بها وأهلها هروب العسكر تبِعُوهم هاربين تحت اللّيل ، بحيث أنّ دمياط أصبحت وما بها أحد ، وتسلَّمتها الفرنج بلا ضربةٍ ولا طعنةٍ ولا امتناع لحظةٍ بذخائرها وعدّتها وخيرها ، وكان ما قد ذكرناه من الحوادث ، فبقيت في أيديهم نحواً من سنةٍ ونصف ، والفرنسيس ويُدعى ريذافرنس ، نازل بجموعه يحامي عنها والمسلمون منازلوه مدَّةً طويلة ، يستظهر عليهم ويستظهرون عليه ، إلى أن كان الظَّفر للإسلام آخر شيء وقُتِل خلائق من الفرنج لا يحصون ، ووقع هو في أسر المسلمين ، ثم استفك نفسه بدمياط وبجملةٍ من الذهب .
قال ابن واصل : دخل إليه حسام الدّين ابن أبي علي وهو مقيد بالمنصورة فحاوره طويلاً حتى وقع الاتفاق على تسليم دمياط ، ويُطلق هو ومن معه من كبراء الفرنج ، فحكى لي حسام الدّين ، قال : كان فَطِنًا عاقلًا ، قلت له : كيف خطر للملك مع ما رأى من عقله وفضله وصحّة ذِهنه أن يُقْدِم على خشب ، ويركب في هذا البحر ، ويأتي هذه البلاد المملوءة من عساكر الإسلام ، ويعتقد أنّه يحصل له تملُّكها ، وفيما فعل غاية الغَرر ؟ فضحك ولم يُحِرْ جوابًا ، وقلت : ذهب بعض فُقهائنا أنّ من ركب البحر مرّةً بعد أخرى مغرّرًا بنفسه أنّه لا تُقْبَل شهادته ؛ لأنّه يستدلّ بذلك على ضعف عقله ، قال : فضحك ، وقال : لقد صدق هذا القائل وما قصّر فيما حكم به .
ولما أفرج عن ريذافرنس وأصحابه أقلعوا إلى عكّا ، وأقام بالسّاحل مدّةً وعمّر قَيْسَاريّة ، ثمّ رجع إلى بلاده وأخذ يجمع ويحشد إلى هذا الزّمان ، وأراد قصد بلاد الإسلام ثانيًا ، ثمّ فتر عن قصْد مصر وقصد بلد إفريقية ؛ ذلك أنّه مَن مَلَك بلاد المغرب تمكّن من قصد مصر في البرّ والبحر ، ويسهُل عليه
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 48
مساهمون: الذهبي
ص٤٨