تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
مطالعة الكتب ، وكان كثير العزلة والانفراد ، وله نهمة فِي اللَّعِب بالصَّوَالجة وفي إنشاء الأبنية العظيمة الفاخرة . وقال غير ابن واصل فِي سيرة الملك الصالح : وكان الصالح لا يجتمع بالفضلاء ، لأنه لم تكن لَهُ مشاركةٌ بخلاف أَبِيهِ ، وكان اجتماعه بالنّاس قليلا جدا ، بل كَانَ يقتصر عَلَى نُدمائه المعروفين بحضور مجلس الشراب ، كَانَ ملكًا مَهِيبًا ، جبّارًا ذا سطوةٍ وجلالة ، وكان فصيحًا ، حَسَن المحاورة ، عفيفًا عن الفواحش ، فأمّر مماليكه التُّرْك ، وجرى بينه وبين عمّه إِسْمَاعِيل أمورٌ وحروبٌ إلى أن أخذ نوّابه دمشقَ عام ثلاثة وأربعين ، وذهب إِسْمَاعِيل إلى بَعْلَبَكّ ، ثُمَّ أُخذت من إِسْمَاعِيل بَعْلَبَكّ ، وتعثّر والتجأ إلى النّاصر صاحب حلب ، ولمّا خرج الملك الصّالح من مصر إلى الشّام خاف من بقاء أخيه ، فقتله سرًّا ، فلم يُمَتَّع ، ووقعت الآكلة في فخذه بدمشق ، ونزل الإفرنس ملك الفرنج بجيوشه عَلَى دِمياط فأخذها ، فسار إِلَيْهِ الملك الصّالح فِي مَحِفّةٍ حتّى نزل بالمنصورة عليلًا ، ثُمَّ عرض لَهُ إسهالٌ إلى أن تُوُفّي ليلة النّصف من شعبان بالمنصورة وأُخْفي موتُه حتّى أُحضِر ولدُه الملكُ المعظَّم من حصن كيفا ، وملّكوه بعده . فذكر سعدُ الدّين : أنّ ابن عمّه فخر الدّين نائب السّلطنة دخل من الغد خيمة السّلطان ، وقرَّر مع الطواشي محسن أن يظهر أن السلطان أمر بتحليف النّاس لولده الملك المعظّم ، ولوليّ عهده فخر الدين ، فتقرر ذلك وطلبوا الناس ، فحلفوا إلا أولاد الناصر ، توقفوا وقالوا : نشتهي أن نبصر السّلطان ، فدخل خادم وخرج ، وقال : السّلطان يسلّم عليكم ، وقال : ما يشتهي أن تروه فِي هذه الحالة ، وقد رسم لكم أن تحلفوا فحلفوا ، وجاءتهم من كلّ ناحية ، راحت الكَرَك منهم ، واسودّت وجوههم عند أبيهم بغدرهم ، ومات السّلطان الَّذِي أمّلوه ، ثُمَّ عَقِيب ذَلِكَ نفَوْهم من مصر ، ونَفَّذ الأميرُ فخرُ الدين نسخ الأيمان إلى البلاد ليحلفوا للمعظَّم . قلت : وكانت أمّ ولده شَجَر الدر ذات رأي وشهامة ، فدولبت الملك مدة شهرين أو أكثر ، وجرت لَهَا أمور ، وخُطِب لَهَا عَلَى المنابر ، وبقي المُلْك بعده فِي مواليه الأتراك وإلى اليوم ، وتربته بمدرسته بالقاهرة .