تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 576

مساهمون:

ص٥٧٦
فلمّا وصلت العساكر وأهلِ دِمياط إلى السّلطان ، حنق عَلَى الكِنانيّين الشّجعان الّذين كانوا بِهَا ، وأمر بهم فشُنِقوا جميعًا ، ثُمَّ رحل بالجيش وسار إلى المنصورة ، فنزل بِهَا فِي المنزلة الّتي كَانَ أَبُوهُ نزلها ، وبها قصرٌ بناه الكامل . ووقع النّفير العام فِي المسلمين ، فاجتمع بالمنصورة أمم لا يحصون من المطوعة والعربان والحرافشة ، وشرعوا فِي الإغارة عَلَى الفِرنج ومناوشتهم وتخطفهم ، واستمر ذلك أشهراً ، هذا والسلطان يتزايد مرضه ، والأطباء قد آيسته لاستحكام السّلّ بِهِ . وأمّا الكَرَك فإنّ صاحبها سافر إلى بغداد ، فاختلف أولاده ، وسار أحدهم إلى الملك الصّالح ، فسلَّم إِلَيْهِ الكَرَك ، ففرح بِهَا السّلطان مَعَ ما هُوَ فِيهِ من الأمراض ، وزُيّنت بلادُه ، وبعث إليها الطُّوَاشيّ بدرَ الدّين الصّوابيّ نائبًا ، وقدِم عَلَيْهِ آلُ النّاصر دَاوُد فبالغ في إكرامهم وأقطعهم أخبازاً جليلة . إلى أن قَالَ ابن واصل فِي سيرة الصّالح : وكان مَهِيبًا ، عزيز النّفْس ، أَبِيَّها ، عالِيَها ، حَيِّيًا ، عفيفًا ، طاهرَ اللّسان والذّيل ، لا يرى الهزل ولا العبث ، شديد الوقار ، كثير الصّمت . اشترى من المماليك التُّرْك ما لم يشتره أحدٌ من أهل بيته ، حتّى صاروا مُعظم عسكره ، ورجّحهم عَلَى الأكراد وأمّرهم ، واشترى - وهو بمصر - خلْقًا منهم وجعلهم بِطانته والمحيطين بدِهليزه وسمّاهم البحريّة . حكى لي حسام الدين ابن أَبِي عَلِيّ أنّ هَؤُلاءِ المماليك مَعَ فَرْط جبروتهم وسطْوتهم كانوا أبلغ مَن يعظّم هيبة السّلطان ، فكان إذا خرج وشاهدوا صورته يرعدون خوفًا منه ، وَأَنَّهُ لم يقع منه فِي حال غضبه كلمةٌ قبيحةٌ قطّ ، أكثر ما يَقْولُ إذا شَتَم : يا متخلّف . وكان كثير الباه لجواريه فقط ، ولم يكن عنده فِي آخر وقتٍ غير زوجتين ، إحداهما شَجَر الدُّرّ ، والأخرى بِنْت العالمة تزوّجها بعد مملوكه الْجُوكنْدار . وكان إذا سَمِعَ الغناء لا يتزعزع ولا يتحرّك ، وكذلك الحاضرون يلتزمون حالته كأنما على رؤوسهم الطَّير . وكان لا يستقلّ أحدٌ من أرباب دولته بأمر ، بل يراجع بالقَصَص مَعَ الخُدّام ، فيوقِّع عليها بما يعتمده كِتاب الإنشاء . وكان يحبّ أهلَ الفضل والدّين ، وما كَانَ لَهُ مَيلٌ إلى