تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
قلتُ : فَما أراك ترضى عَنْ أحد . قَالَ : كيف أرضى عنهم وليس لهم ما يُرضيني ! قلت : فَما فيهم مَنْ لَهُ ما يُرضيك ؟ قَالَ : لا أعلم إلا أن يكون المتنبّي في مديحه خاصَّة ، وابنُ نُباتة في خُطَبه ، وابنُ الحريريّ في مقاماته . قلت : عجب إذ لم تُصَنِّف مقاماتٍ تَدْحَضُ مقاماتِه ! قَالَ : يا بُنَيّ ، اعلم أنّ الرجوعَ إِلى الحقّ خيرٌ من التّمادي في الباطل ، عملتُ مقاماتٍ مرّتين فلم ترضني ، فغسلتها ، وما أعلم أنّ الله خلقني إلّا لأُظهرَ فضلَ ابن الحريريّ . ثُمَّ شَطَح في الكلام وقال : لَيْسَ في الوجود إلا خالقان : واحد في السّماء ، وواحد في الأرض ؛ فالّذي في السّماء هُوَ الله تَعَالَى ، وَالَّذِي في الأرض أَنَا . ثُمَّ التفت إلي وَقَالَ : هَذَا لا يحتمله العامة لكونهم لا يَفهَمونه ، أَنَا لا أقدِر عَلَى خلق شيءٍ إلا خلق الكلام . فقلتُ : يا مولانا أَنَا مُحَدِّث ، وإنْ لم يكن في المحدث جراءة مات بغيظه ، وأحب أن أسألك عن شيء ، فتبسم وقال : ما أراك تسأل إلا عن معضلة ، هاتِ . قلت : لِمَ سُمّيت بشُمَيْم ؟ فشتمني وضَحِكَ ، وقال : اعلم أنّني بقيت مدَّةً لا آكل إلا الطين ، قصداً لتنشيف الرطوبة وحِدَّة الحفْظ ، فكنت أبقي مدة لا أتغوط ثُمَّ يجيء كالبندقة من الطين ، فكنت آخذه وأقول لمن أنبسط إِلَيْهِ : شُمَّه فإنّه لا رائحةَ لَهُ ، فَلُقِّبتُ بذلك ، أرضيتَ يا ابن الفاعلة ! تُوُفّي شُمَيْم بالمَوْصِلِ في ربيع الآخر عَنْ سنٍّ عالية . قَالَ ابن النّجّار : كان أدبياً مبرزاً في عِلم اللّغة والنَّحو ، وله مصنّفات وأنشاد وخُطَبٌ ومقامات ، ونثرٌ ونظم كثير ، لكنّه كَانَ أحمقَ ، قليلَ الدّين ، رقيعًا ، يستهزئُ بالنّاس ، لا يعتقدُ أنّ في الدّنيا مثلَه ، ولا كَانَ ولا يكون أبداً . إلى أن قَالَ : وأدركه الأجلُ بالموصل عَنْ تسعين سنة أو ما قارَبَها . ويُحكى عَنْهُ فسادُ عقيدةٍ ؛ سَمِعْتُ أبا القَاسِم ابن العديم يحكي عَنْ مُحَمَّد بْن يوسف الحنفيّ قَالَ : كَانَ الشُّمَيْم يبقى أيّامًا لا يأكل إلا الترابَ ، فكان رجيعُه يابسًا لَيْسَ