تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
إِلى آمِدَ سنة أربعٍ وتسعين فرأيتُ أهلها مُطْبقين عَلَى وصف هذا الشّيخ ، فقصدتُه إِلى مسجد الخَضِرِ ، ودخلتُ عَلَيْهِ ، فوجدت شيخًا كبيرًا قَضِيف الجسم في حُجرة من المسجد ، وبين يديه جمدان مملوء كتبًا من تصانيفه ، فسلّمتُ عليه وجلست ، فَقَالَ : مِن أين أنت ؟ قلت : من بغداد . فهشّ بي ، وأقبل يسألني عنها ، وأُخبرُه ، ثُمَّ قلت : إنّما جئت لأقتبِسَ مِن علومك شيئًا . فَقَالَ : وأيُّ عِلمٍ تُحِبُّ ؟ قلتُ : الأدب . قَالَ : إنّ تصانيفي في الأدب كثيرة ؛ وذاك أنّ الأوائل جمعوا أقوالَ غيرهم وبَوَّبُوها ، وأنا فكلُّ ما عندي من نتائج أفكاري ، فإنّني قد عملت كتاب " الحماسة " ، وأبو تمام جمع أشعار العرب في " حماسته " ، وأنا فعلمت حماسة من أشعاري ، ثم سب أبا تمّام ، وقال : رأيتُ النّاس مُجمعين عَلَى استحسان كتاب أَبِي نُواس في وصف الخمر ، فعملتُ كتاب " الخمريّات " من شِعري ، لو عاش أَبُو نواس ، لأستحيي أن يذكر شِعره ، ورأيتهم مُجمعين عَلَى خُطَب ابنِ نُباتة ، فصنّفت خُطبًا لَيْسَ للنّاس اليوم اشتغالٌ إلا بها . وجعل يُزري عَلَى المتقدّمين ، ويَصفُ نفسه ويجهِّلُ الأوائل ، ويقول : ذاك الكلب . قلت : فأنشدني شيئاً . فأنشدني من " الخمريات " لَهُ ، فاستحسنت ذَلِكَ ، فغضب وقال : ويلك ما عندك غيرَ الاستحسانَ ؟ فقلت : فَما أصنعُ يا مولانا ؟ قَالَ : تصنع هكذا ، ثُمَّ قام يرقُص ويصفِّقُ إِلى أن تَعبَ . ثُمَّ جلس وهو يَقُولُ : ما أصنع ببهائمَ لا يفرّقون بين الدّرّ والبعر ! فاعتذرت إِلَيْهِ ، وأنشدني شيئًا آخر . وسألته عَنْ أَبِي العلاء المعرِّيّ ، فنهرني ، وقال : ويلك كم تسيء الأدب بين يديَّ ، ومِنْ ذَلِكَ الكلب الأعمى حتّى يُذكرَ في مجلسي !