تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
وفي أَوَّل السنة أخْرَب المُعَظَّم أسوارَ القدس خوْفًا من استيلاء الفرنج عَلَيْهِ ، وقد كَانَ يومئذٍ عَلَى أتمِّ العمارة وأحسن الْأحوال وكَثْرَة السّكّان . قَالَ أَبُو المُظَفَّر : كَانَ المُعَظَّم قد توجّه إلى أخيه الكامل إلى دمياط والكشف عَنْهَا ، وبلَغَهُ أَنَّ طائفةٌ من الفرنج عَلَى عَزْم القُدس ، فاتفق هُوَ والْأمراء عَلَى تخريبه ، وقالوا : قد خلا الشَّام من العساكر ، فلو أخذته الفرنج حكموا عَلَى الشَّام . وَكَانَ بالقدس أخوه الملك العزيز وعز الدين أيْبَك أُستاذ دار ، فكتبَ المُعَظَّم إليهما يأمرهما بخرابه ، فتوقفا . وقال : نَحْنُ نحْفَظه ، فأتاهما أمرٌ مؤكدٌ بخرابِهِ ، فشرعوا في الخراب في أَوَّل المحرم ، ووقع في البلد ضجَّة ، وخرجَ الرِّجالُ والنِّساء إلى الصَّخْرة ، فقطَّعوا شعورهم ، ومزَّقوا ثيابهم ، وخرجوا هاربين ، وتركوا أثْقالهم ، وما شَكّوا أَنَّ الفرنج تُصَبِّحهم ، وامتلأت بهم الطُّرقات ، فبعضهم قصدَ مصر ، وبعضهم إلى الكَرَك ، وبعضُهم إلى دِمشق ، وهلكت البنات من الحفاء ، وماتَ خلقٌ من الجوع والعَطَش ، ونُهِبَ ما في البلد ، وبيع الشيء بعُشرِ ثَمَنِه ، حَتَّى أُبيع قِنْطار الزِّيت بعشرة دراهم ، ورطل النُّحاس بنصف درهم ، وَعَلَى هَذَا النَّمط ، وذَمَّ الشعراء المُعَظَّم ، وقالوا : في رَجَب حُلِّل المُحَرَّمُ . . . وخُرِّبَ القُدس في المُحَرَّمِ وَقَالَ مجد الدين مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه قاضي الطُّور : مررتُ عَلَى القُدْس الشريف مُسلِّمًا . . . عَلَى ما تَبَقى من ربوع كأنجم ففاضت دموعُ العَيْن مني صَبَابةً . . . عَلَى ما مضى في عَصْرنا المتقدم وقد رام علجٌ أن يُعَفِّي رسومَةُ . . . وشَمَّرَ عن كفي لَئِيم مُذَمَّم فَقُلْتُ لَهُ : شَلّت يمينُك خَلِّها . . . لمعتبرٍ أَوْ سائلٍ أَوْ مُسلم فلو كَانَ يُفدى بالنُّفوس فديتهُ . . . وَهَذَا صحيحُ الظن في كلّ مسلم قَالَ ابن الْأثير : لَمَّا ملكت الفرنج بُرج السلسلة قطعوا السِّلاسل لتدخل مراكبهم في النيل ويتحكموا في البرِّ ، فنصبَ الملكُ الكامل عِوض