تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 498

مساهمون:

ص٤٩٨
أستاذًا أعرف مني أو فِي الفضل مثلي فحينئذ آذَنُ لكَ أن تسافر إليه ، إلَّا أن تسافر إلى الحافظ ابْن عساكر ؛ فإنه حافظ كما يجب . فقلت : مَن هذا ؟ فقال : حافظ الشام أبو القاسم يسكن دمشق . وأثنى عَلَيْهِ . وكان يجري ذِكره عند خطيب الموصل أَبِي الفضل ، فيقول : ما نعلم مَن يستحق هذا اللقب اليوم ، أعني الحافظ ، ويكون به حقيقًا سواه . كذا حدثني أَبُو المواهب بْن صَصْرَى ، وقال : لما دخلت هَمَذَان أثنى عليه الحافظ أبو العلاء ، وقال لي : أَنَا أعلم أنه لَا يُساجل الحافظ أَبَا القاسم فِي شأنه أحد ، فلو خالق الناس ومازجهم كما أصنع إذًا لَاجتمع عَلَيْهِ الموافِق والمخالِف . وقال لي يومًا : أي شيء فُتِح لَهُ ، وكيف ترى الناسَ لَهُ ؟ قُلْت : هُوَ بعيد من هذا كله ، لم يشتغل منذ أربعين سنة إلاّ بالجمع والتصنيف والتّسميع حتى فِي نُزَهِهِ وخَلَوَاته . فقال : الحمد لله ، هذا ثمرة العِلم ، ألا إنا قد حصل لنا هذا المسجد والدار والكُتُب ، هذا يدل على قلة حظوظ أهل العلم فِي بلادكم . ثم قَالَ لي : ما كان يُسمى أَبُو القاسم ببغداد إلَّا شُعلة نارٍ من تَوَقُده وذكائه وحُسْن إدراكه . وقال أَبُو المواهب : أما أَنَا فكنت أذاكره فِي خَلَوَاتِه عَن الحُفاظ الذين لقِيَهُم ، فقال : أما ببغداد فأبو عامر العَبدَرِي ، وأما بإصبهان فأبو نصر اليُونَارتي ، لكن إِسْمَاعِيل الحافظ كان أشهر منه . فقلت لَهُ : فَعَلَى هذا ما رَأَى سيدنا مثله ؟ فقال : لَا تَقُلْ هذا ، قَالَ اللَّه تعالى : " فَلا تُزَكُّوا أنفسكم " . قُلْت : وقد قَالَ تعالى : " وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فحدّث " . فقال : نعم ، لو قَالَ قائل : إن عيني لم تَرَ مثلي - لَصَدَق . قال أَبُو المواهب : وأنا أقول : لم أر مثله ، وَلَا مَن اجتمع فِيهِ ما اجتمع فِيهِ من لُزُوم طريقةٍ واحدةٍ مدَّة أربعين سنة ، من لزوم الصلوات فِي الصف الأول إلَّا من عُذْر ، والاعتكاف فِي رَمَضَان وعَشر ذي الحجة ، وعدم التطلُع إلى تحصيل الأملاك وبناء الدور . وقد أسقط ذلك عَن نفسه ، وأعرض عَن طلب المناصب من الإمامة والخطابة ، وأباها بعد أن عُرِضَت عَلَيْهِ . وقلة التفاته إلى الأمراء ، وأخُذِ نفسه بالأمر بالمعروف والنهْي عَن المنكر ، لَا تأخذه فِي اللَّه لومةُ لائم . قال لي : لما عزمت على التحديث ، وَاللَّه المطَّلعُ أنه ما حملني على ذلك حبُّ الرياسة والتقدم ، بل قُلْت : مَتَى أروي كلَّ ما سمعت ؟ وأي فائدةٍ