تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 1063

مساهمون:

ص١٠٦٣
وها أَنَا أقول لك ما فِيهِ الراحة ، وأعتذر عنك ولك على أن تفي لي بالعهود والمواثيق ، وكثرة الرهائن ، وترسل إليَّ جملة من عبيدك بالمراكب والشَّواني ، فأجوز بحملتي إليك ، وأقاتلك فِي أعزّ الأماكن لديك ، فإن كانت لك فغنيمة كبيرة جُلِبت إليك ، وهدية عظيمة مَثَلَت بين يديك ، وإن كانت لي كانت اليد العُليا لي عليك ، واستحقَّيت إمارة الملّتين ، والحكم فِي البرّين . فلمّا وصل كتابه إِلَى أَبِي يوسف مزّقه وقطّعه ، وكتب على قطعةٍ منه : " ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أذلة وهم صاغرون " الجواب ما ترى لا ما تسمع ، وهذا البيت ، وهو للمتنبّي : وَلَا كتْبَ إلّا المشرفيةُ عِنْدَنا . . . وَلَا رُسُلٌ إلّا الخميس العَرَمْرَمِ ثمّ استنفر النَّاس ، وجمع الجيوش ، فكانوا مائة ألفٍ فِي الديوان ، ومائة ألف مُطَّوَّعة ، وسار إِلَى زُقاق سَبْتَة ، فعدَّى منه إِلَى الأندلس ، وطلب الأذفنش ، فكان المصافّ عند قلعة رباح شماليّ قُرْطبة ، فَفَتَح اللَّهُ ونَصَر ، وكانت ملحمة هائِلة قلَّ أنْ وقع مثلها فِي الْإِسْلَام . قيل : إنّه حصل منها لبيت المال من دروعهم ستّون ألف درع . وأمّا الدّوابّ فلم يُحصر لها عدد . وذكر ابن الأثير فِي الكامل ، أنّ عدد من قُتل من الفرنج مائة ألف وستَّة وأربعون ألفًا ، وَقُتِلَ من المسلمين نحوٌ من عشرين ألفًا ، وأُسِر من الفرنج ثلاثة عشر ألفًا ، وغنم المسلمون منهم شيئًا عظيمًا ، فمن الخيام مائة ألف وثلاثة وأربعون ألفًا ، ومن الخيل ستة وأربعون ألفًا ، ومن البِغال مائة ألف ، ومن الحمير مائة ألف . ونادى يعقوب : مَن غنِم شيئًا فهو له سوى السّلاح . ثمّ إنّه سار إِلَى طُلَيطُلة فحاصرها ، وأخذ أعمالها ، وترك الفرنج فِي أسوأ حال ، ورجع إِلَى إشبيلية ، فأقام إِلَى أثناء سنة ثلاثٍ وتسعين ، فعاد وأغار وسَبَى ، ولم يبق للفرنج قُدرة على مُلْتقاه ، فالتمسوا الصُّلح ، فأجابهم لِما اتّصل إليه مِن أخبار ابن غانية الميورقي الذي خرج عليه فِي سنة ثمانين ، وهو عليّ بْن إِسْحَاق الملثَّم ، وقام بعده أخوه يحيى بْن إِسْحَاق ، فاستولى على بلاد أفريقية ، واستفحل أمره ، فهادن أبو يوسف الفرنج خمسة أعوام ، وعاد إِلَى مَرّاكُش ، وشرع فِي عمل الأحواض والروايا والآلات للبرّيَّة ليتوجّه إلى إفريقية ،