ثم تأوه مرات وتلا قوله تعالى : " { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ } { وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ } { يوم يأت لا تكلم نفس إلى بإذنه فمنهم شقي وسعيد } " .
ثم صاح وبكى . بكاءً شديدًا ، وطرح وجهه على الأرض زمانًا ، ثم رفع رأسه ، ومسح وجهه وقال : سبحان من تكلّم بهذا في القِدَم ، سبحان من هذا كلامه . فصبرتُ سَاعةً ، ثم سلّمت عليه ، فردّ وقال : متى أتيتَ ؟
فقلت : الساعة . ثم قلت : أرى يا سيدنا في وجهك أثَرَ غَيْظ . فقال : لَا يا أبا الفتح ، بل أنشدت شيئًا من كلام المخلوق ، وتلوت شيئًا من كلام الخالق ، فلحِقَني ما ترى . فتحقَّقتُ صحة دينه ، وقوّة يقينه .
وبالْإِسناد إلى السِّلفيّ : سمعتُ أَبَا بكر التِّبْرِيزيِّ اللُّغَويّ يقول : أفضل من رأيته ممّن قرأت عَلَيْهِ أبو العلاء ، وسمعتُ أبا المكارم بأبهر ، وكان من أفراد الزّمان ، ثِقَةً مالِكيّ المَذْهب ، قال : لمَّا تُوُفّي أبو العلاء اجتمع على قبره ثمانون شاعرًا ، وخُتِم في أسبوع واحد عند القبر مائتا ختمة .
وبه قال السِّلفيّ : هذا القدر الّذي يمكن إيراده هنا على وجه الاختصار ، مدحًا وقدحًا ، وتقريظًا ، وذمًّا ، وفي الجملة فكان من أهل الفضل الوافر ، والَأدب الباهر ، والمعرفة بالنَّسَبْ ، وأيّام العرب . قرأ القرآن بروايات ، وسمع الحديث بالشّام على ثِقات ، ولهُ في التَّوحيد وإثبات النُّبُوَّة وما يحضّ على الزَّهْد ، وإحياء طرق الفُتُوّة والمُرُوَءة شِعْرٌ كثير ، والمُشكِل منه فله على زعمه تفسير .
قال القِفْطيّ : ذِكر أسماء الكُتُب الّتي صنّفها . قال أبو العلاء : لزمت مسكني منذ سنة أربعمائة واجتهدتُ أن أتوفّر على تسبيح اللَّه وتحميده ، إِلَّا أن أُضطرّ إلى غير ذلك ، فأمليت أشياءٌ تولّى نسخها الشّيخُ أبو الحسن عليّ بْن عَبْد اللَّه بْن أبي هاشم ، أحسن اللَّه توفيقه ، ألزمني بذلك حقوقًا جمّة ، لَأنّهُ أفنى زمنه ولم يأخذ عما صنع ثمنه ، وهي على ضروبٍ مختلفة ، فمنها ما هو في الزُّهد والعِظات والتّمجيد . فمن ذلك : كتاب " الفصول والغايات " وهو موضوع على حروف المعجم ، ومقداره مائة كراسة ، ومنها كتاب أنشئ في ذكر غريب
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 729
مساهمون: الذهبي
ص٧٢٩