أجلّ الفُقهاء عندنا دِرايةً وروايةً ، بصيرًا بالعقُود وعِلَلها ، صنّف فيها كتابًا حسنًا ، وكتابًا مستوعبًا في سِجلّات القُضاة إلى ما جمع من أقوال الشّيوخ المتأخّرين ، مع ما كان عليه من الطريقة المثلى من الوقار والتصاون والنّزاهة .
95 - محمد بن إسماعيل بن عبّاد بن قُرَيْش ، القاضي أبو القاسم اللَّخْميّ الإشبيليّ . [ المتوفى : 433 ه - ]
مَن ذُرّيّة النُّعمان بن المنذر ملك الحيرة ، وأصله من بلد العَرِيش ، البلد الّتي كانت أوّل رمل مصر ، فدخل أبو الوليد إسماعيل بن عبّاد الأندلس ، ونشأ له أبو القاسم ، فاعتنى بالعِلم وبرع في الفِقْه ، وتنقّلت به الأحوال إلى أن ولي قضاء إشبيليّة في أيّام بني حَمُّود الإدريسيّ ، فأحسن السّياسة مع الرّعيّة والملاطفة لهم ، فرمقته النفوس .
وكان المعتلي يحيى بن عليّ الإدريسيّ صاحب قُرْطُبة مذموم السّيرة فسار إلى إشبيليّة وحاصرها ، فلمّا نازلها اجتمع الأعيان إلى القاضي أبي القاسم هذا ، وقالوا له : ترى ما نزل بنا ، فقُمْ بنا واخرج إلى هذا الظّالم ونُمَلِّكُك ، فأجابهم وتهيّأ للقتال ، وخرجوا إلى قتال يحيى ، فركب إليهم وهو سكران ، فقُتِل يحيى ، وعظُم أبو القاسم في النُّفُوس وبايعوه ، واستعان بالوزير أبي بكر محمد بن الحسن الزُّبَيْديّ ، وعيسى بن حَجّاج الحضْرميّ ، وعبد الله بن عليّ الهوزني ، فدبر أمر إشبيلية أحسن تدبير ولقبوه بالظافر المؤيَّد بالله ، ثمّ إنَّهُ ملك قُرْطُبة وغيرها ، واتّسع سلطانه .
وقضيّته مشهورة مع الشّخص الّذي زعم أنّه هشام المؤيّد بالله بن الحَكَم الأُمويّ ، الّذي كان المنصور محمد بن أبي عامر حاجبه .
انقطع خبر المؤيّد بالله هذا أكثر من عشرين سنة ، وجَرَت أحوال وفِتَنٌ في هذه السَّنوات ، فلمّا تملّك القاضي أبو القاسم بن عبّاد قيل له : إنّ هشام بن الحَكَم أمير المؤمنين بقلعة رباح في مسجد ، فأحضره ابن عَبّاد وبايعه بالخلافة ، وفوّض إليه ، وجعل ابن عَبّاد نفسه كالوزير بين يديه .
قال الأمير عزيز : استولى القاضي محمد بن إسماعيل على الأمر سنة
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 531
مساهمون: الذهبي
ص٥٣١