فلما سمعه رفيقه اشترى له لحماً بدرهم وطَبَخَه وأطعمه . ثمّ تقلَّبت الأحوال ووُزَّر المُهَلَّبِي ، وضاقت الحال بذاك الرجل فقصد المهلَّبي وكتب إليه :
ألا قل للوزير فدته نفسي . . . مقال مُذْكِرٍ ما قد نَسيهِ
أَتَذْكُر إذ تقول لضَنْكِ عَيْشٍ . . . ألا موتٌ يُباع فأشتريه
فلما وقف عليها أمر له في الحال بسبعمائة درهم ، ووقّع في ورقته : " مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ " . ثم دعا به فخلع عليه وولاه عملًا يرتفق به .
وللوزير المُهَلَّبي أخبار وشعر رائق ، وتُوُفّي في طريق واسط ، وحُمل إلى بغداد . ومن شِعْره :
قال لي مَنْ أُحِبُّ والبَيْنُ قد ج . . . - دّ وفي مِهجتي لهيبُ الحريق
ما الذي في الطريق تَصْنَعُ بَعْدي ؟ . . . قلت : أبكي عَلَيك طُولَ الطّريق
توفّي المهلّبي لثلاث بقين من شعبان عن نَيَّف وستّين سنة .
ولابن الحجّاج من أبيات يرثيه :
مات الذي أَمْسَى الثناء وراءه . . . والعفو عفو الله بين يديه
هَدَمَ الزَّمانُ بموته الحصنَ الذي . . . كُنّا نفرّ من الزَّمان إليهِ
وللوزير المهلَّبي :
أراني الله وجهك كلّ يوم . . . صباحاً للتيمّن والسّرور
وأمتع ناظريَّ بصفْحَتَيْهِ . . . لأَقرا الْحُسْنَ من تلك السُّطُور
ولابن عبد الله بن الحجّاج يرثي الوزير المهلَّبي :
يا مَعْشَرَ الشعراءِ دَعْوَةَ مُوجَعٍ . . . لا يُرْتَجَى فرَجُ السُّلُوِّ لَدَيْهِ
عَزُّوا الْقَوافِيَ بالوزيرِ فإِنّها . . . تبكي دَمًا بَعْدَ الدُّمُوعِ عليهِ
مات الذي أمسى الثناء وراءه . . . والعفو عفو الله بين يديه
هدم الزمان بموته الحصن الذي . . . كُنّا نفرّ من الزَّمان إليهِ
فَلْيَعْلَمَنَّ بَنُو بُوَيْه أنّه . . . فجعت به الأيّام آل بويه
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 43
مساهمون: الذهبي
ص٤٣