أثلاثًا ؛ ثلثا للجند وثُلُثًا يدّخره فِي النوائب ، وثُلُثًا للنَّفقة فِي الزهراء ، فجاءت من أحسن مدينةٍ على وجه الأرض . واتخذ لسطح العُليّة الصغرى التي عَلَى الصرح قراميد ذهب وفضة ، وأنفق عليها أموالًا هائلة ، وجعل سقفها صفراء فاقعةً إلى بيضاء ناصعة ، تَسلُب الأبصار بلَمَعَانها ، وجلس فِيهَا مسرورًا فرحًا ، فدخل عَلِيّه القاضي أَبُو الحَكَم منذر بْن سعَيِد البلوطي ، رحمه اللَّه ، حزينًا ، فقال : هَلْ رأيتَ ملكًا قبلي فَعَل مثل هذا ؟ فبكي القاضي وقال : والله ما ظننتُ أنّ الشّيطان يبلغ منك هذا مَعَ ما آتاك اللَّه من الفضل ، حتى أنزلك منازل الكافرين . فاقشعر من قوله ، وقال : وكيف أنزلني منازل الكافرين ؟ قَالَ : ألَيْسَ اللَّه يَقُولُ : { وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فضةٍ } ، وتلا الآية كلَّها . فوجم عَبْد الرَّحْمَن ونكس رأسًه مليا ودموعُه تسيل عَلِيّ لِحْيته خشوعًا لله ، وقال : جزاك اللَّه خيرًا ، فالذي قلته الحقّ . وقام يستغفر اللَّه ، وأمر بنقض السَّقْف الَّذِي للقُبّة .
وكان كَلِفًا بعمارة بلاده ، وإقامة معالمها ، وإنباط مياهها ، وتخليد الآثار الغريبة الدّالّة عَلَى قوة مُلْكة .
وقد استفرغ الوسعَ فِي إتقان قصور الزهراء وزخرفتها . وقد أصابهم قحطٌ ، وأراد النّاس الاستسقاء ، فجاء عَبْد الرَّحْمَن الناصر رسولٌ من القاضي منذر بْن سعَيِد ، رحمه الله ، يحركه للخروج ، فقال الرَّسُول لبعض الخدم : يا ليت شِعْري ما الَّذِي يصنعه الأمير ؟ فقال : ما رَأَيْته أخشع لله منه فِي يومنا هذا ، وأنّه منفردٌ بنفسه ، لابسٌ أخشن ثيابه ، يبكي ويعترف بذنوبه ، وهو يَقُولُ : هذه ناصيتي بيدك ، أتراك تعُذّب الرّعيّة من أجلي وأنت أحكم الحاكمين ، لن يفوتك شيء منّي . فتهلّل وجه القاضي لمّا بلغه هذا ، وقال : يا غلام أحمل الممْطَر معك ، فقد إذِن اللَّه بسُقْيانا . إذا خشع جبار الأرض رحم جبّار السّماء . فخرج ، وكان كما قَالَ .
وكان عبد الرحمن يرجع إلى دين متين وحسن خلق . وكان فِيهِ دُعابة . وكان مَهيبًا شجاعًا صارمًا ، ولم يتسمَّ أحدٌ بأمير المؤمنين من أجداده . إنّما يُخطب لَهُم بالإمارة فقط . فلمّا كَانَ سنة سبع عشرة وثلاث مائة ، وبلغه
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 891
مساهمون: الذهبي
ص٨٩١