تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
تخرجه إلى هذا . ما كَانَ إلّا من أدهي النَّاس . ولكنه كَانَ يطلق بحضرة الوزير قريبا من ذلك لسلامة طبع كان فيه ، ولأنه كان يحب أنّ يصور نفسه عندهم بصورة الأبله لتأمنه الوزراء لكثرة خلوته بالخلفاء . فأنا أحدثك عَنْهُ بحديث تعلم أنّه في غاية الحزْم . ثمّ قَالَ : حدَّثني أَبِي أنّ ابن الفُرات لما ولي الوزارة ، قَالَ : فقصدني قصدًا قبيحًا لشيء كَانَ في نفسه عليَّ وبالغ ، وتلطفت معه بكل طريق . وكان عندي في ذلك الوقت سبعة آلاف ألف دينار عينًا وجوهرًا سوى غيرها . ففكرت في أمري ، فوقع لي الرأي في الليل في الثلث الأخير . فركبت في الحال إلى داره ، فدققت فقال البوابون : لَيْسَ هذا وقت وصول ، والوزير نائم . فقلت : عرفوا الحجاب أني حضرت في مهم . فعرفوهم ، فخرج إلي أحدهم فقال : إنه إلى ساعة ينتبه . فقلت : لَا ، الأمر أهم من ذَلِكَ فنبهه . فدخل ، ثمّ خرج فأدخلني إِلَيْهِ وهو عَلَى سرير ، وحوله نحو خمسين نفسًا ، كأنهم حفظة ، وقد قاموا وهو جالس مرتاعًا ، ظن أنّ حادثة حدثت ، فرفعني وقال : ما الأمر ؟ فقلت : خير ، ما حَدَث شيء ، ولا جئت إلّا في أمر يخصني . فسكن وصرف من حوله ، وقال : هات . فقلت : أيها الوزير ، إنك قصدتني أقبح قصد ، وشرعت في هلاكي بإزالة نعمتي ، ولعمري ، إني أسأت في خدمتك . وقد كَانَ في بعض هذا التقويم بلاغ عندي . وقد جهدت في استصلاحك ، فلم يغن . وليس شيء أضعف من الهرّ ، وإذا عاثَ في دكان الفاميّ فظفر بهِ ولزه وثب عَلَيْهِ وخمشه . ولستُ أضعف من السِّنَّور ، وقد جعلت هذا الكلام عذرا . فإن صلحت لي وإلا فعلي وعلي . وعقدت الأيمان لأقصدن الخليفة الآن ، وأحمل إِلَيْهِ من خزانتي ألفي ألف دينار ، وأقول : سَلْم ابن الفُرات إلى فلان ووله الوزارة . فيخدمني ويرجع تدبير أموره إليّ ، فأسلمك إِلَيْهِ ، فيعذبك حتّى يأخذ منك الألفي ألف . وأنت تعلم أنّ حالك يفي بها ، ويعظم قدري بعزلي وزيرًا وتقليدي آخر . فلمّا سمع هذا ، قَالَ : يا عدوّ اللَّه ، وتستحلّ هذا ؟ فقلت : إنّ أحوجتني إلى هذا ، وإلّا فاحلف لي السّاعة عَلَى معاملتي بكلّ جميل ، ولا تبغ لي الغوائل . فقال : وتحلف ليّ أنتَ أيضًا عَلَى مثل ذَلِكَ ، وعلى حُسْن الطّاعة
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 215 | الذهبي / بشار عوّاد معروف