وكان فقيها فصيحا ذكيّا صاحب تصَّانيف في الفِقْه والأصول تدلَّ على تبحُّره .
قال الخطيب أبو بَكْر : حديث الكرابيسيّ يعزّ جدا ؛ وذلك أن أحمد بْن حنبل كان يتكلم فِيهِ بسبب مسألة اللفظ . وكان هُوَ أيضًا يتكلم فِي أحمد ، فتجنب الناس الأخذ عَنْهُ لهذا السبب . ولما بلغ يحيى بْن مَعِين أنه يتكلم فِي أحمد قال : ما أحوجه إلى أن يضرب ، ثُمَّ لعنه .
قال أبو الطّيّب الماوردي ، فيما رَوَاهُ أبو بَكْر بْن شاذان ، عن عبد الله بْن إسماعيل بْن برهان عَنْهُ ، قال : جاء رَجُل إلى الْحُسَيْن الكرابيسيّ فقال : ما تقول فِي القرآن ؟ قال : كلام اللَّه غير مخلوق . قال الرجل : فما تقول فِي لفظي بالقرآن ؟ قال حُسَيْنِ : لفظك به مخلوق . فمضى الرجل إلى أحمد بْن حنبل فعرّفه ذلك ، فأنكره ، وقال : هذه بدعة . فرجع إلى حُسَيْنِ فعرَّفه إنكار أبي عبد الله ، فقال له حُسَيْنِ : تَلَفُّظُك بالقرآن غير مخلوق . فرجع إلى أحمد فعرُّفه رجوع حُسَيْنِ ، وأنّه قال : تَلَفُّظُك بالقرآن غير مخلوق . فأنكر أحمد ذلك أيضًا ، وقال : هذا أيضًا بدعة . فرجع إلى حُسَيْنِ فعرَّفه إنكار أبي عبد الله أيضًا فقال : إيش نعمل بهذا الصبي ؟ إن قُلْنَا : مخلوق ، قال : بدعة ، وإنْ قُلْنَا : غير مخلوق ، قال : بدعة ؟ فبلغ ذلك أَبَا عبد الله ، فغضب له أصحابُه ، فتكلّموا فِي حُسَيْنِ الكرابيسيّ .
وقال الفضل بْن زياد : سَأَلت أَبَا عبد الله ، عن الكرابيسيّ ، وما أظهر ، فَكَلَح وجهه ثُمَّ أطرق ، ثُمَّ قال : هذا قد أظهر رأي جَهْم . قال اللَّه تعالى : " { وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ } ، " فممّن يسمع ؟ إنّما جاء بلاؤهم من هذه الكُتُب التي وضعوها . تركوا آثَارَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه ، وأقبلوا على هذه الكتب .
وقال ابن عديّ : سمعت محمد بْن عبد الله الصَّيرفيّ الشّافعيّ يقول لهم ، يعني التّلامذة : اعتبِروا بهذين : حُسَيْنِ الكرابيسيّ ، وأبو ثور . فالحسين فِي علمه وحِفْظه ، وأبو ثور لا يعشُرُه فِي علمه ، فتكلَّم فِيهِ أحمد بْن حنبل فِي باب اللّفظ فسقط ، وأثنى على أَبِي ثور ، فارتفع للزومه السنة .
تُوُفّي سنة ثمان ، وقيل : سنة خمس وأربعين .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 1124
مساهمون: الذهبي
ص١١٢٤