تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 1037

مساهمون:

ص١٠٣٧
وقال محمد بن إبراهيم البُوَشْنجيّ : سمعت أحمد بن حنبل يقول : تبيّنت الإجابة في دعوتين : دعوتُ الله أن لا يجمع بيني وبين المأمون ، ودعوته أن لا أرى المتوكّل . فلم أر المأمون ، مات بالبَذَنْدُون وهو نهر الرّوم ، وأحمد محبوس بالرَّقَة حتى بويع المعتصم بالروم ، ورجَع فردَّ أحمد إلى بغداد . وأمّا المتوكّل فإنّه لمّا أحضر أحمد دار الخلافة ليحدِّث ولده ، قَعَد لَهُ المتوكّل في خَوْخةٍ حَتَّى نظر إلى أحمد ، ولم يره أحمد . قال صالح : لما صدر أبي ومحمد بن نوح إلى طرسوس رُدّا في أقيادهما ، فلمّا صارا إلى الرّقّة حُملا في سفينة ، فلمّا وصلا إلى عانات تُوَفّي محمد ، فأطلق عنه قيده ، وصلّى عليه أبي . وقال حنبل : قال أبو عبد الله : ما رأيتُ أحدًا على حداثة سِنّهِ وقدر عِلْمه أَقْوَم بأمر الله من محمد بن نوح . وإنّي لأرجو أن يكون قد خُتِم له بخير . قال لي ذات يوم : يا أبا عبد الله ، الله ، الله ، إنّك لستَ مثلي ، أنت رجل يُقْتَدى بك ، قد مَدَّ الخلْق أعناقهم إليك لما يكون منك . فاتَّقِ الله واثْبت لأمرِ الله . أو نحو هذا . فمات وصلَّيت عليه ودفنته . أظنّه قال : بعانة . قال صالح : وصار أبي إلى بغداد مقيَّدًا ، فمكث بالياسريّة أيّامًا ، ثمّ حُبِس في دارٍ اكْتُرِيَتْ له عند دار عُمارة ، ثمّ نُقِل بعد ذلك إلى حبْس العامّة في درب المَوْصِليّة ، فقال أبي : كنتُ أصلّي بأهل السّجن وأنا مقيّد . فلمّا كان في رمضان سنة تسع عشرة حُوِّلْتُ إلى دار إسحاق بن إبراهيم . وأمّا حنبل بن إسحاق فقال : حُبس أبو عبد الله في دار عُمارة ببغداد في إسطبلٍ لمحمد بن إبراهيم أخي إسحاق بن إبراهيم ، وكان في حبْسٍ ضيّق ؛ ومرِض في رمضان ، فحُبِس في ذلك الحبْس قليلا ، ثم حُوِّل إلى سجن العامّة ، فمكث في السّجن نحوًا من ثلاثين شهرًا ، فكنّا نأتيه . وقرأ عليَّ كتاب الإرجاء وغيره في الحبس ، ورأيته يصلّي بأهل الحبْس وعليه القيد ، فكان يُخْرج رِجْله من حلقة القيد وقت الصّلاة والنّوم . رَجَعْنَا إِلَى مَا حَكَاهُ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ ، عن أبيه ، فَكَانَ يُوجَّهُ إِلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ بِرَجُلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا يُقَالُ لَهُ : أَحْمَدُ بْنُ رَبَاحٍ ، وَالْآخَرُ أَبُو شُعَيْبٍ الْحَجَّامُ ، فَلَا يَزَالانِ يُنَاظِرَانِي حَتَّى إِذَا أَرَادَا الانْصِرَافَ دُعِيَ بِقَيدٍ ، فَزِيدَ فِي قُيُودِي . قَالَ : فَصَارَ فِي رِجْلِهِ أَرْبَعَةُ أَقْيَادٍ . قَالَ أَبِي : فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ دَخَلَ عَلَيَّ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ فَنَاظَرَنِي ، فَقُلْتُ لَهُ : مَا تَقُولُ في علم الله ؟ قال : علم الله مخلوق .