وَقَالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ النَّحْوِيُّ : مَا شَهِدْتُ مَشْهَدًا قَطُّ ، وَذُكِرَ فِيهِ جَرِيرٌ وَالْفَرَزْدَقُ فَأَجْمَعَ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ وَأَهْلُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا ، وَكَانَ يُونُسُ يُقَدِّمُ الْفَرَزْدَقَ بِغَيْرِ إِفْرَاطٍ .
وَقَالَ ابْنُ دَابٍ : الفرزدق أشعر عامة ، وجرير خَاصَّةً .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ الْجُمَحِيُّ : أَتَى الْفَرَزْدَقُ الْحَسَنَ فَقَالَ : إِنِّي هَجَوْتُ إِبْلِيسَ ، فَاسْمَعْ . قال : لا حاجة لنا بما تَقُولُ ، قَالَ : لَتَسْمَعَنَّ أَوْ لأَخْرُجَنَّ فَلأَقُولَنَّ لِلنَّاسِ : إِنَّ الْحَسَنَ يَنْهَى عَنْ هِجَاءِ إِبْلِيسَ ، قَالَ : اسْكُتْ فَإِنَّكَ عَنْ لِسَانِهِ تَنْطِقُ .
وَقِيلَ لابْنِ هُبَيْرَةَ : مَن سَيِّدُ أَهْلِ الْعِرَاقِ ؟ قَالَ : الْفَرَزْدَقُ هَجَانِي مَلِكًا ، وَمَدَحَنِي سُوقَةً .
رَوَى الأَصْمَعِيُّ ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو قَالَ : دَخَلَ الْفَرَزْدَقُ عَلَى بِلالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ فَقَالَ : لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْيَمَنِ إِلا أَبُو مُوسَى حَجَمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَوَجَمَ بِلالُ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ : تَرَى أَنَّهُ ذَهَبَ عَلَى هَذَا ، أَوَلَيْسَ كثيرٌ لِأَبِي مُوسَى أَنْ يَحْجِمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، مَا فَعَلَ هَذَا قَبْلَ ذَلِكَ وَلا بَعْدَهُ ، قَالَ الْفَرَزْدَقُ : أَبُو مُوسَى كَانَ أَعْلَمَ بِاللَّهِ مِنْ أَنْ يُجَرِّبَ الْحِجَامَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَكَانَ الْفَرَزْدَقُ زِيرَ نساءٍ وَصَاحِبَ زِيٍّ عَلَى مَا ذَكَرَ الْجَاحِظُ ، وَقَالَ : وَكَانَ لا يُحْسِنُ بَيْتًا وَاحِدًا فِي صِفَاتِهِنَّ وَاسْتِمَالَةِ أَهْوَائِهِنَّ ، وَلا فِي صِفَّةِ عشقٍ وَتَبَارِيحِ حُبٍّ ، وَجَرِيرٌ ضِدَّهُ فِي إِرَادَتِهِنَّ ، وَخِلافَهُ فِي وَصْفِهِنَّ ، أَحْسَنُ خَلْقِ اللَّهِ تَشْبِيبًا ، وَأَجْوَدُهُمْ نَسِيبًا ، وَهَذَا ظاهرٌ مَعْرُوفٌ .
الأَصْمَعِيُّ : حدثنا أبو مودود ، قال : حدثنا شفقل راوية الْفَرَزْدَقِ قَالَ : طَلَّقَ الْفَرَزْدَقُ امْرَأَتَهُ النَّوَّارَ ثَلاثًا ، وَقَالَ لِي : يَا شَفْقَلُ ، امْضِ بِنَا إِلَى الحسن حتى نشهده على طلاق النوار ، قُلْتُ : أَخْشَى أَنْ يَبْدُو لَكَ فِيهَا ، فَيَشْهَدُ عَلَيْكَ الْحَسَنُ فَتُجْلَدُ وَيُفَرِّقُ بَيْنَكُمَا ، فَقَالَ : لا بدَ مِنْهُ ، فَمَضَيْنَا إِلَى الْحَسَنِ فِي حَلَقَتِهِ ، فَقَالَ لَهُ الْفَرَزْدَقُ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، عَلِمْتَ أَنِّي قَدْ طَلَّقْتُ النَّوَّارَ
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 136
مساهمون: الذهبي
ص١٣٦