تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 945

مساهمون:

ص٩٤٥
وَقَالَ عَاصِمٌ : مَا رَأَيْتُ أَبَا وَائِلٍ مُلْتَفِتًا فِي صلاةٍ وَلا غَيْرِهَا ، وَلا سَمِعْتُهُ سَبَّ دَابَّةً ، إِلا أَنَّهُ ذَكَرَ الْحَجَّاجَ يَوْمًا ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَطْعِمْهُ مِنْ ضريعٍ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ، ثُمَّ تَدَارَكَهَا فَقَالَ : إِنْ كَانَ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ . وَلا رَأَيْتُهُ قَائِلا لأحدٍ : كَيْفَ أَصْبَحْتَ ، وَلا كَيْفَ أَمْسَيْتَ . وَقَالَ عَاصِمٌ : قُلْتُ لِأَبِي وَائِلٍ : شَهِدْتَ صِفِّينَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَبِئْسَتِ الصُّفُونَ كَانَتْ ، فَقِيلَ لَهُ : أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ ، عَلِيٌّ أَوْ عُثْمَانُ ؟ قَالَ : عَلِيٌّ ، ثُمَّ صَارَ عُثْمَانُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ عَلِيٍّ . وَقَالَ الأَعْمَشُ : قَالَ لِي أَبُو وَائِلٍ : إِنَّ أُمَرَاءَنَا هَؤُلاءِ لَيْسَ عِنْدَهُمْ تَقْوَى أَهْلِ الإِسْلامِ ، وَلا أَحْلَامُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ . وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : حدثنا عَامِرُ بْنُ شَقِيقٍ ، سَمِعَ أَبَا وَائِلٍ يَقُولُ : اسْتَعْمَلَنِي ابْنُ زِيَادٍ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ ، فَأَتَانِي رجل بصك : أعط صاحب المطبخ ثمان مائة دِرْهَمٍ ، فَقُلْتُ لَهُ : مَكَانَكَ ، فَدَخَلْتُ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ فَقُلْتُ : إِنَّ عُمَرَ اسْتَعْمَلَ ابْنَ مَسْعُودٍ عَلَى الْقَضَاءِ وَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ ، وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ عَلَى مَا سَقَى الْفُرَاتُ ، وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ عَلَى الصَّلاةِ وَالْجُنْدِ ، وَرَزَقَهُمْ كُلَّ يومٍ شَاةً ، فَجَعَلَ نِصْفَهَا وَسَقَطَهَا لِعَمَّارٍ ، لِأَنَّهُ عَلَى الصَّلاةِ وَالْجُنْدِ ، وَجَعَلَ لِعَبْدِ اللَّهِ رُبْعَهَا ، وَلِعُثْمَانَ رُبْعَهَا ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ مَالا يُؤْكَلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ شَاةً لَسَرِيعُ الْفَنَاءِ . فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ : ضَعِ الْمَفَاتِيحَ وَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ . وَقَالَ عَاصِمٌ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : بَعَثَ إِلَيَّ الْحَجَّاجُ ، فَأَتَيْتُهُ ، فَقَالَ : مَا اسْمُكَ ؟ قُلْتُ : مَا بَعَثَ إِلَيَّ الأَمِيرُ إِلا وَقَدْ عَرِفَ اسْمِي . قَالَ : مَتَى نَزَلْتَ هَذَا الْبَلَدَ ؟ قُلْتُ : لَيَالِيَ نَزَلَهُ أَهْلُهُ ، قَالَ : إِنِّي مُسْتَعْمِلُكَ عَلَى السِّلْسِلَةِ ، قُلْتُ : إِنَّ السِّلْسِلَةَ لا تَصْلُحُ إِلا برجالٍ يَعْمَلُونَ عَلَيْهَا ، وَأَمَّا أَنَا فَرَجُلٌ ضَعِيفٌ أَخْرَقُ ، أَخَافُ بِطَانَةَ السُّوءِ ، فَإِنْ يَعْفِنِي الأَمِيرُ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ ، وَإِنْ يُقْحِمْنِي أَقْتَحِمْ ، إِنِّي وَاللَّهِ لأَتَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ ، فَأَذْكُرُ الأَمِيرَ ، فَلا أَنَامُ حَتَّى أُصْبِحَ ، وَلَسْتُ لَهُ عَلَى عَمَلٍ ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ النَّاسَ هَابُوا أَمِيرًا قَطُّ هَيْبَتَهُمْ لَكَ ، فَأَطْرَقَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا قَوْلُكَ : مَا رَأَيْتُ النَّاسَ هَابُوا أَمِيرًا قَطُّ هَيْبَتَكَ ، فإني والله ما أعلم رجلا أجرأ على دم مِنِّي ، وَأَمَّا قَوْلُكَ : إِنْ يُعْفِنِي الْأَمِيرُ ، فَإِنْ وَجَدْنَا غَيْرَكَ أَعْفَيْنَاكَ ، ثُمَّ قَالَ : انْصَرِفْ ، قَالَ : فمضيت فغفلت على الْبَابِ كَأَنِّي لا أُبْصِرُ ، فَقَالَ : أَرْشِدُوا الشَّيْخَ .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 945 | الذهبي / بشار عوّاد معروف