تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 804

مساهمون:

ص٨٠٤
الشَّيْطَانُ قَدْ عَرَضَ لِي ، قَالَ : فَزَادَهُ أَبُوهُ غَيًّا فَكَتَبَ إِلَيْهِ : أَقْبِلْ عَلَى مَا أُمِرْتَ به ، إن الله يقول : تنزل الشياطين عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ، وَلَسْتَ بِأَفَّاكٍ وَلا أَثِيمٍ . وَكَانَ يَجِيءُ إِلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ رَجُلا رَجُلا فَيُذَاكِرُهُمْ أَمْرَهُ ، وَيَأْخُذُ عَلَيْهِمُ الْعَهدَ وَالْمِيثَاقَ إِنْ رَأَى مَا يَرْضَى قَبِلَ ، وَإِلا كَتَمَ عَلَيْهِ ، وَكَانَ يُرِيهُمُ الْأَعَاجِيبَ ، يَأْتِي رُخَامَةً فِي الْمَسْجِدِ فَيَنْقُرُهَا بِيَدِهِ فَتُسَبِّحُ ، وَيُطْعِمُهُمْ فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ ، وَيَقُولُ : اخْرُجُوا حَتَّى أُرِيَكُمُ الْمَلائِكَةَ ، فَيُخْرِجُهُمْ إِلَى دَيْرِ مُرَّانَ فَيُرِيهِمْ رِجَالا عَلَى خَيْلٍ ، فَتَبِعَهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ ، وَفَشَا الأَمْرُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَكَثُرَ أَصْحَابُهُ ، فَوَصَلَ الأَمْرُ إِلَى الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ ، قَالَ : فَعَرَضَ عَلَى الْقَاسِمِ وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ ، ثُمَّ قَالَ : إِنِّي نَبِيٌّ ، قَالَ : كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ ، وَلا عَهْدَ لَكَ عِنْدِي ، قَالَ : فَقَالَ لَهُ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيُّ : بِئْسَ مَا صَنَعْتَ إِذْ لَمْ تَلِنْ حَتَّى تَأْخُذَهُ ، الآنَ يَفِرُّ ، قَالَ : وَقَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ فَدَخَلَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ، فَأَعْلَمَهُ بِالأَمْرِ ، وَطُلِبَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ، وَخَرَجَ عَبْدُ الْمَلِكِ فَنَزَلَ الصِّنَّبْرَةَ وَاتَّهَمَ عَامَّةَ عَسْكَرِهِ بِالْحَارِثِ أَنْ يَكُونُوا يَرَوْنَ رَأْيَهُ ، وَأَتَى الْحَارِثُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ مُخْتَفِيًا ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَخْرُجُونَ يَلْتَمِسُونَ الرِّجَالَ يُدْخِلُونَهُمْ عَلَيْهِ ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةَ قَدْ أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ ، فَأَخَذَ فِي التَّحْمِيدِ ، فَسَمِعَ الْبَصْرِيُّ كَلامًا حَسَنًا ، ثُمَّ أَخْبَرَهُ بِأَمْرِهِ وَأَنَّهُ نَبِيٌّ ، فَقَالَ : إِنَّ كَلامَكَ حَسَنٌ ، وَلَكِنْ فِي هَذَا نَظَرٌ ، ثُمَّ خَرَجَ ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ كَلامَهُ ، فَقَالَ : قَدْ وَقَعَ فِي قَلْبِي كَلامُكَ ، وَقَدْ آمَنْتُ بِكَ ، هَذَا الدِّينُ الْمُسْتَقِيمُ ، فَأَمَرَ أَنْ لا يُحْجَبَ ، فَأَقْبَلَ الْبَصْرِيُّ يَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ وَيَعْرِفُ مَدَاخِلَهُ وَحِيَلَه وَأَيْنَ يَهْرُبُ ، حَتَّى اخْتَصَّ بِهِ ، ثُمَّ قَالَ : ائْذَنْ لِي ، قَالَ : إِلَى أَيْنَ ؟ قَالَ : إِلَى الْبَصْرَةِ أَكُونُ دَاعِيًا لَكَ بِهَا ، فَأَذِنَ لَهُ ، فَأَسْرَعَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ بِالصِّنَّبَرَةِ ، ثُمَّ صَاحَ : النَّصِيحَةَ النَّصِيحَةَ ، فَأُدْخِلَ وَأُخْلِيَ ، فَقَالَ لَهُ : مَا عِنْدَكَ ؟ قَالَ : الْحَارِثُ . فَلَمَّا ذكر الحارث طَرَحَ نَفْسَهُ مِنْ سَرِيرِهِ ، وَقَالَ : أَيْنَ هُوَ ؟ قَالَ : بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَقَصَّ شَأْنَهُ ، قَالَ : أَنْتَ صَاحِبُهُ ، وَأَنْتَ أَمِيرُ بَيْتِ المقدس ، وأمير ما هاهنا ، فَمُرْنِي بِمَا شِئْتَ ، قَالَ : ابْعَثْ مَعِي أَقْوَامًا لا يَفْقَهُونَ الْكَلامَ ، فَأَمَرَ أَرْبَعِينَ رَجُلا مِنْ أهل
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 804 | الذهبي / بشار عوّاد معروف