وَحَدَّثَتْنِي رَيَّا أَنَّ الرَّأْسَ مَكَثَ فِي خَزَائِنِ السلاح حتى ولي سليمان الخلافة ، فبعث فَجِيءَ بِهِ وَقَدْ بَقِيَ عَظْمًا أَبْيَضَ ، فَجَعَلَهُ في سفط وطيبه وكفنه ودفنه في مقابر المسلمين ، فلما دخلت الْمُسَوِّدَةَ سَأَلُوا عَنْ مَوْضِعِ الرَّأْسِ فَنَبَشُوهُ وَأَخَذُوهُ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ مَا صُنِعَ بِهِ . وَذَكَرَ الْحِكَايَةَ وَهِيَ طَوِيلَةٌ قَوِيَّةُ الإِسْنَادِ . رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نَصْرٍ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ ، عَنِ الْمَذْكُورِ .
وَعَنْ أَبِي قَبِيلٍ قَالَ : لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ احْتَزُّوا رَأْسَهُ وَقَعَدُوا فِي أَوَّلِ مَرْحَلَةِ يَشْرَبُونَ النَّبِيذَ ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ قَلَمٌ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ حَائِطٍ فَكَتَبَ بِسَطْرِ دَمٍ :
أَتَرْجُو أُمَّةٌ قَتَلَتْ حُسَيْنًا . . . شَفَاعَةَ جَدِّهِ يَوْمَ الْحِسَابِ
فَهَرَبُوا وَتَرَكُوا الرَّأْسَ .
وَسُئِلَ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَنْ قَبْرِ الْحُسَيْنِ ، فَلَمْ يَعْلَمْ أَيْنَ هُوَ . وَقَالَ الْجَمَاعَةُ : قُتِلَ يَوْمَ عَاشُورَاءِ ، زَادَ بَعْضُهُمْ : يَوْمَ السَّبْتِ .
قُلْتُ : فَيَكُونَ عُمْرُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَارِيخِ مَوْلِدِهِ سِتًّا وَخَمْسِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ .
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ قَتَّةَ يَرْثِيهِ :
وَإِنَّ قَتِيلَ الطَّفِّ مِنْ آلِ هَاشِمٍ . . . أَذَلَّ رِقَابًا مِنْ قُرَيْشٍ فَذَلَّتِ
فَإِنْ يَتَّبِعُوهُ عَائِذَ الْبَيْتِ يُصْبِحُوا . . . كَعَادٍ تَعَمَّتْ عَنْ هُدَاهَا فَضَلَّتِ
مَرَرْتُ عَلَى أَبْيَاتِ آلِ مُحَمَّدٍ . . . فَأَلْفَيْتُهَا أَمْثَالَهَا حِينَ حَلَّتِ
وَكَانُوا لَنَا غَنَمًا فَعَادُوا رَزِيَّةً . . . لَقَدْ عَظُمَتْ تِلْكَ الرَّزَايَا وَجَلَّتِ
فَلا يُبْعِدُ اللَّهُ الدِّيَارَ وَأهْلَهَا . . . وَإِنْ أَصْبَحَتْ مِنْهُمْ بِرَغْمِي تَخَلَّتِ
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الأَرْضَ أَضْحَتْ مَرِيضَةً . . . لِفَقْدِ حُسَيْنٍ وَالْبِلادُ اقْشَعَرَّتِ
يُرِيدُ بِقَوْلِهِ : أَذَلَّ رِقَابًا ؛ أي : ذللها ، يعني أنهم لا يرعوون عَنْ قَتْلِ قُرَشِيٍّ بَعْدَ الْحُسَيْنِ ، وَعَائِذُ الْبَيْتِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 638
مساهمون: الذهبي
ص٦٣٨