وَإِنَّمَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَجْعَلَوْهَا قَيْصَرِيَّةً ، كُلَّمَا مَاتَ قَيْصَرُ كَانَ قَيْصَرُ ، فَغَضِبَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ ، وَقَالَ لعَبْد الرَّحْمَنِ : هَذَا الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ : " وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا " فَقَالَتْ عَائِشَةُ : كَذَبْتَ ، إِنَّمَا أَنْزَلَ ذَلِكَ فِي فُلانٍ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ لَعَنَ أَبَاكَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْتَ فِي صُلْبِهِ .
وَقَالَ سالم بن عَبْد اللَّهِ : لَمَّا أرادوا أن يبايعوا ليزيد ، قَامَ مروان فَقَالَ : سَنَة أَبِي بكر الراشدة المهديّة ، فقام عَبْد الرَّحْمَنِ بن أبي بكر ، فَقَالَ : ليس بسُنّة أبي بكر ، قد ترك أبو بكر الأهل والعشيرة ، وعدل إِلَى رَجُلٌ من بني عديّ ، أن رأي أَنَّهُ لذلك أَهْلًا ، ولكنها هِرَقْلية .
وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ ، قَالَ : لَمَّا أَجْمَعَ مُعَاوِيَةُ عَلَى أَنْ يبايع لابنه حَجَّ ، فَقَدِمَ مَكَّةَ فِي نَحْوِ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ خَرَجَ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بكر ، فلما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فحمد اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ ابْنَهُ يَزِيدَ ، فَقَالَ : مَنْ أَحَقُّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْهُ ، ثُمَّ ارْتَحَلَ فَقَدِمَ مَكَّةَ ، فَقَضَى طَوَافَهُ ، وَدَخَلَ مَنْزِلَهُ ، فَبَعَثَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ ، فَتَشَهَّدَ ، وَقَالَ : أَمَّا بَعْدُ يَا ابْنَ عُمَرَ ، إِنَّكَ كُنْتَ تُحَدِّثُنِي أَنَّكَ لا تُحِبُّ تَبِيتُ لَيْلَةً سَوْدَاءَ ، لَيْسَ عَلَيْكَ فِيهَا أَمِيرٌ ، وَإِنِّي أُحَذِّرُكَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ ، أَوْ تَسْعَى فِي فَسَادِ ذَاتَ بَيْنِهِمْ . فَحَمِدَ ابْنُ عُمَرَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّكَ قَدْ كَانَتْ قَبْلَكَ خُلَفَاءُ لَهُمْ أَبْنَاءٌ ، لَيْسَ ابْنُكَ بِخَيْرٍ مِنْ أَبْنَائِهِمْ ، فَلَمْ يَرَوْا فِي أَبْنَائِهِمْ مَا رَأَيْتَ فِي ابْنِكَ ، وَلَكِنَّهُمْ اخْتَارُوا لِلْمُسْلِمِينَ حَيْثُ عَلِمُوا الْخِيَارَ ، وَإِنَّكَ تُحَذِّرُنِيَ أَنْ أَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ ، وَلَمْ أَكُنْ لأَفْعَلْ ، إِنَّمَا أنا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى أَمْرٍ فَإِنَّمَا أنا رَجُلٌ مِنْهُمْ . فَقَالَ : يَرْحَمُكَ اللَّهُ ، فَخَرَجَ ابْنُ عُمَرَ .
ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ أَبِي بَكْرٍ ، فَتَشَهَّدَ ، ثُمَّ أَخَذَ فِي الْكَلامِ ، فَقَطَعَ عليه كلامه ، فقال : إِنَّكَ وَاللَّهِ لَوْدِدْتُ أنا وَكَّلْنَاكَ فِي أَمْرِ ابْنِكَ إِلَى اللَّهِ ، وَإِنَّا وَاللَّهِ
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 458
مساهمون: الذهبي
ص٤٥٨