ثوب واحد برد ، مُخَالِفًا بَيْنَ طَرَفَيْهِ ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ قَالَ : " ادْعُوا لِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ " ، فَجَاءَ ، فَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى نَحْرِهِ ، فَكَانَتْ آخِرَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ بِزِيَادَةِ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ فِيهِ .
وَفِي هَذَا دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ كَانَتِ الصُّبْحَ ، فَإِنَّهَا آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا ، وَهِيَ الَّتِي دَعَا أُسَامَةَ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا ، فَأَوْصَاهُ فِي مَسِيرِهِ بِمَا ذَكَرَ أَهْلُ الْمَغَازِي . وَهَذِهِ الصَّلَاةُ غَيْرُ تِلْكَ الصَّلَاةِ الَّتِي ائْتَمَّ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ بِهِ ، وَتِلْكَ كَانَتْ صَلَاةَ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ السَّبْتِ أَوْ يَوْمِ الْأَحَدِ . وَعَلَى هَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ ، وقد استوفاها الحافظ الإمام الحبر أبو بكر البيهقي رحمه الله .
وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : اشْتَكَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَفَرٍ ، فَوُعِكَ أَشَدَّ الْوَعْكِ ؛ وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نِسَاؤُهُ يُمَرِّضْنَهُ أَيَّامًا ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَنْحَازُ إِلَى الصَّلَوَاتِ حَتَّى غُلِبَ ، فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ ، فَنَهَضَ ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ مِنَ الضَّعْفِ ، فَقَالَ لِلْمُؤَذِّنِ : " اذْهَبْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَمُرْهُ فَلْيُصَلِّ " ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ ، وَإِنَّهُ إِنْ قَامَ مَقَامَكَ بَكَى ، فَأْمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ ، فَقَالَ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ ، فَأَعَادَتْ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ ، فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ حَتَّى كَانَ لَيْلَةُ الْإِثْنَيْنِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ ، فَأَقْلَعَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَعْكُ وَأَصْبَحَ مُفِيقًا ، فَغَدَا إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ يَتَوَكَّأُ عَلَى الْفَضْلِ وَغُلَامٍ لَهُ يُدْعَى نوبا ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا ، وَقَدْ سَجَدَ النَّاسُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَهُوَ قَائِمٌ فِي الْأُخْرَى ، فَتَخَلَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّفُوفَ يُفَرِّجُونَ لَهُ ، حَتَّى قَامَ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ فَاسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَوْبِهِ فَقَدَّمَهُ فِي مُصَلَّاهُ فَصَفَّا جَمِيعًا ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ ، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمٌ يَقْرَأُ ، فَلَمَّا قَضَى قِرَاءَتَهُ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَكَعَ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الْآخِرَةَ ، ثم جلس أبو بكر يتشهد والناس معه ، فلما سلم أتم رسول الله صلى الله عليه وسلم الرَّكْعَةَ الْآخِرَةَ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى جِذْعٍ مِنْ جُذُوعِ الْمَسْجِدِ ، وَالْمَسْجِدُ يَوْمَئِذٍ سَقْفُهُ مِنْ جَرِيدٍ وخوص ، ليس على السقف كبير طِينٍ ، إِذَا كَانَ الْمَطَرُ امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ طِينًا ، إِنَّمَا هُوَ كَهَيْئَةِ الْعَرِيشِ ، وَكَانَ أُسَامَةُ قَدْ تجهز للغزو .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 815
مساهمون: الذهبي
ص٨١٥