وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَفَشَا الْإِسْلَامُ بِمَكَّةَ ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ فَقَالَ : ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) وَقَالَ : ( وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ) , قَالَ : وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّوْا ذَهَبُوا فِي الشِّعَابِ وَاسْتَخْفَوْا بِصَلاتِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ ، فَبَيْنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي نَفَرٍ بِشِعْبٍ ، إِذْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ نَفَرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ يُصَلُّونَ فَنَاكَرُوهُمْ وَعَابُوا عَلَيْهِمْ وَقَاتَلُوهُمْ , فَضَرَبَ سَعْدٌ رَجُلا مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِلَحْيِ بَعِيرٍ فَشَجَّهُ ، فَكَانَ أَوَّلَ دَمٍ في الإسلام ، فلما بادئ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ وصدع بالإسلام ، لم يبعد منه وَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ - فِيمَا بَلَغَنِي - حَتَّى عَابَ آلِهَتَهُمْ ، فَأَعْظَمُوهُ وَنَاكَرُوهُ وَأَجْمَعُوا خِلَافَهُ وَعَدَاوَتَهُ ، فَحَدَبَ عَلَيْهِ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ ، وَمَنَعَهُ وَقَامَ دُونَهُ ، فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَعْتِبُهُمْ مِنْ شَيْءٍ أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ ، وَرَأَوْا أَنَّ عَمَّهُ يَمْنَعُهُ مَشَوْا إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَكَلَّمُوهُ ، وَقَالُوا : إِمَّا أَنْ تَكُفَّهُ عَنْ آلِهَتِنَا وَعَنِ الْكَلامِ فِي دِينِنَا ، وَإِمَّا أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ ، فَقَالَ لَهُمْ قَوْلًا رَفِيقًا ، وَرَدَّهُمْ رَدًّا جَمِيلا ، فَانْصَرَفُوا , ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَبَاعَدَ الرِّجَالُ وَتَضَاغَنُوا ، وَأَكْثَرَتْ قُرَيْشٌ ذِكْرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وحض بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَيْهِ ، وَمَشَوْا إِلَى أَبِي طَالِبٍ مَرَّةً أُخْرَى ، فَقَالُوا : إِنَّ لَكَ نَسَبًا وَشَرَفًا فينا ، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا , وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نَصْبِرُ عَلَى شَتْمِ آلِهَتِنَا وَتَسْفِيهِ أَحْلامِنَا حَتَّى تَكُفَّهُ أَوْ نُنَازِلُهُ وَإِيَّاكَ فِي ذَلِكَ ، حَتَّى يَهْلِكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ ، ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ ، فَعَظُمَ عَلَى أَبِي طَالِبٍ فِرَاقُ قَوْمِهِ وَعَدَاوَتُهُ لَهُمْ ، وَلَمْ يَطِبْ نَفْسًا أَنْ يسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لَهُمْ وَلَا أَنْ يَخْذُلَهُ .
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : جَاءَتْ قُرَيْشٌ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالُوا : إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ هَذَا قَدْ آذَانَا فِي نَادِينَا وَمَسْجِدِنَا ، فَانْهَهُ عَنَّا ، فَقَالَ : يَا عَقِيلُ انْطَلِقْ فَائْتِنِي بِمُحَمَّدٍ ، فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِ فَاسْتَخْرَجْتُهُ مِنْ حِفْشٍ أَوْ كِبْسٍ - يَقُولُ : بَيْتٌ صَغِيرٌ - فَلَمَّا أَتَاهُمْ قَالَ أَبُو طَالِبٍ : إِنَّ بَنِي عَمِّكَ هَؤُلَاءِ قَدْ زَعَمُوا أَنَّكَ تُؤْذِيهِمْ فِي نَادِيهِمْ وَمَسْجِدِهِمْ فَانْتَهِ عَنْ أَذَاهُمْ ، فَحَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ : أَتَرَوْنَ هَذِهِ الشَّمْسَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ :
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 553
مساهمون: الذهبي
ص٥٥٣