ورواه يونس بن بكير ، عن ابن إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ - بِسَنَدِهِ ، وَفِيهِ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : فَلَمَّا كَانَتْ هُدْنَةُ الْحُدَيْبِيَةِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجْتُ تَاجِرًا إِلَى الشَّامِ ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ بِمَكَّةَ امْرَأَةً وَلا رَجُلا إِلا قَدْ حَمَّلَنِي بِضَاعَةً . فَقَدِمْتُ غَزَّةَ ، وَذَلِكَ حِينَ ظَهَرَ قَيْصَرُ عَلَى مَنْ كَانَ بِبِلادِهِ مِنَ الْفُرْسِ ، فَأَخْرَجَهُمْ مِنْهَا ، وَرَدَّ عَلَيْهِ صَلِيبَهُ الأَعْظَمَ .
وَكَانَ مَنْزِلُهُ بِحِمْصَ فَخَرَجَ منها متشكرا إلى بيت المقدس ، تبسط له البسط ، وتطرح لَهُ عَلَيْهَا الرَّيَاحِينُ . حَتَّى انْتَهَى إِلَى إِيلِيَاءَ ، فصلى بها .
فأصبح ذات غداة مهموما يقلب طرفه إلى السماء ، فقالت له بطارقته : أيها الملك ، لقد أصبحت مَهْمُومًا . فَقَالَ : أَجَلْ . قَالُوا : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : أُرِيتُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ أَنَّ مَلَكَ الْخِتَانِ ظَاهِرٌ . فَقَالُوا : وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تَخْتَتِنُ إِلا يَهُودَ ، وَهُمْ تَحْتَ يَدِكِ وَفِي سُلْطَانِكَ . فَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ هَذَا فِي نَفْسِكَ مِنْهُمْ ، فَابْعَثْ فِي مَمْلَكَتِكَ كُلِّهَا فَلا يَبْقَى يَهُودِيٌّ إِلا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ فَتَسْتَرِيحُ مِنْ هَذَا الْهَمِّ .
فَبَيْنَمَا هُمْ فِي ذَلِكَ إِذْ أَتَاهُمْ رَسُولُ صَاحِبِ بُصْرَى بِرَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ قَدْ وَقَعَ إِلَيْهِمْ . فَقَالَ : أَيُّهَا الْمَلِكُ ، هَذَا رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الشَّاءِ وَالإِبِلِ ، يُحَدِّثُكَ عَنْ حَدَثٍ كَانَ بِبِلادِهِ ، فَسَلْهُ عَنْهُ . فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ : سَلْهُ : مَا هَذَا الْخَبَرُ الَّذِي كَانَ فِي بِلادِهِ ؟ فَسَأَلَهُ فَقَالَ : هُوَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ خَرَجَ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ ، وَقَدْ تَبِعَهُ أَقْوَامٌ وَخَالَفَهُ آخَرُونَ ، فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ مَلاحِمُ .
فَقَالَ : جَرِّدُوهُ . فَإِذَا هُوَ مَخْتُونٌ ، فَقَالَ : هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي أُرِيتُ ، لا مَا تَقُولُونَ . ثُمَّ دَعَا صَاحِبَ شُرْطَتِهِ فَقَالَ لَهُ : قَلِّبْ لِي الشَّامَ ظَهْرًا وَبَطْنًا حَتَّى تَأْتِيَ بِرَجُلٍ مِنْ قَوْمِ هَذَا أَسْأَلُهُ عَنْ شَأْنِهِ .
فَوَاللَّهِ ، إِنِّي وَأَصْحَابِي لَبِغَزَّةَ إِذْ هَجَمَ عَلَيْنَا فَسَأَلَنَا : مِمَّنْ أَنْتُمْ ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ ، فَسَاقَنَا إِلَيْهِ جَمِيعًا . فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِنْ رَجُلٍ قَطُّ أَزْعُمُ أَنَّهُ كَانَ أَدْهَى مِنْ ذَلِكَ الأَغْلَفِ ، يَعْنِي هِرَقْلَ .
فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ قَالَ : أَيُّكُمْ أَمَسُّ بِهِ رَحِمًا ؟ فَقُلْتُ : أَنَا . قَالَ :
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 339
مساهمون: الذهبي
ص٣٣٩