وَلَمَّا كَانَ الِاسْتِخْلَافُ مِنْ جُمْلَةِ مَنْدُوبَاتِ الْإِمَامِ وَكَانَ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ طُولٌ أَفْرَدَهُ بِفَصْلٍ لِذِكْرِ حُكْمِهِ وَأَسْبَابِهِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِالشُّرُوطِ وَصِفَةِ الْمُسْتَخْلَفِ وَفِعْلِهِ وَبَدَأَ بِحُكْمِهِ مُضَمِّنًا لَهُ أَسْبَابَهُ فَقَالَ . ( فَصْلٌ ) نُدِبَ لِإِمَامٍ خَشِيَ تَلَفَ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ . ( ش ) أَيْ : يُنْدَبُ لِمَنْ تَحَقَّقَتْ إمَامَتُهُ وَثَبَتَتْ الِاسْتِخْلَافُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ الْأَوَّلُ : إذَا خَشِيَ تَلَفَ مَالٍ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ كَانْفِلَاتِ دَابَّةٍ أَوْ نَفْسٍ كَخَوْفٍ عَلَى صَبِيٍّ أَوْ أَعْمَى أَنْ يَقَعَ فِي بِئْرٍ أَوْ نَارٍ فَلَا يَسْتَخْلِفُ مَنْ تَرَكَ النِّيَّةَ أَوْ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ أَوْ شَكَّ فِيهِمَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَتَحَقَّقْ إمَامَتُهُ بَلْ وَلَا دُخُولُهُ فِي الصَّلَاةِ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ " مَالٍ " سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ وَلَوْ كَافِرًا وَلِذَلِكَ نَكَّرَ مَالًا كَمَا نَكَّرَ نَفْسًا لِيَشْمَلَ نَفْسَهُ وَنَفْسَ غَيْرِهِ وَلَوْ كَافِرًا وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَالٍ لَهُ بَالٌ أَيْ : بِحَسَبِ الْأَشْخَاصِ أَيْ : بِحَسَبِ كُلِّ شَخْصٍ فِي نَفْسِهِ ، وَقَوْلُهُ " لِإِمَامٍ " مُتَعَلِّقٌ بِنُدِبَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَلَهُمْ أَيْ : وَنُدِبَ لَهُمْ لَا بِاسْتِخْلَافٍ خِلَافًا لتت ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ الْمَصْدَرِ عَلَيْهِ مَعَ كَثْرَةِ الْفَصْلِ وَمَعْمُولُ الْمَصْدَرِ اُغْتُفِرَ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ ظَرْفًا أَوْ جَارًّا وَمَجْرُورًا لَكِنَّهُ لَا يُغْتَفَرُ مَعَ الْفَصْلِ وَفِيهَا إيهَامٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ النَّدْبَ لِلْمُسْتَخْلِفِ أَوْ الْمُسْتَخْلَفِ وَمَصَبُّ النَّدْبِ قَوْلُهُ " اسْتِخْلَافٌ " وَأَمَّا خُرُوجُهُ مِنْ الصَّلَاةِ فَهُوَ وَاجِبٌ .
( ص ) أَوْ مُنِعَ الْإِمَامَةَ لِعَجْزٍ . ( ش ) الْمَوْضِعُ الثَّانِي إذَا طَرَأَ عَلَى الْإِمَامِ مَا يَمْنَعُ الْإِمَامَةَ لِعَجْزٍ عَنْ رُكْنٍ كَعَجْزِهِ عَنْ الرُّكُوعِ أَوْ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِي بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ . وَأَمَّا عَجْزُهُ عَنْ السُّورَةِ فَلَيْسَ مِنْ مُوجِبَاتِ الِاسْتِخْلَافِ . ( ص ) أَوْ الصَّلَاةَ بِرُعَافٍ أَوْ سَبْقِ حَدَثٍ أَوْ ذَكَرَهُ . ( ش ) الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ : إذَا طَرَأَ عَلَى الْإِمَامِ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ كَرُعَافٍ يُبِيحُ الْبِنَاءَ لَهُ فِيهَا أَوْ يَمْنَعُهُ مِنْ جُمْلَتِهَا لِبُطْلَانِهَا كَسَبْقِ حَدَثٍ أَصْغَرَ كَرِيحٍ أَوْ أَكْبَرَ كَمَنِيٍّ لِنُعَاسٍ خَفِيفٍ حَصَلَ فِيهَا أَوْ ذِكْرِ حَدَثٍ كَذَلِكَ وَأَحْرَى لَوْ شَكَّ فِي وُضُوئِهِ ، وَحَمَلْنَا كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ عَلَى رُعَافٍ يُبِيحُ الْبِنَاءَ تَبَعًا لس فِي شَرْحِهِ وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِكَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ إذْ هُوَ لَيْسَ بِمَانِعٍ لِلصَّلَاةِ ؛ لِزَوَالِهِ بِغَسْلِهِ أَوْ بِفَتْلِهِ بَلْ مَانِعٌ لِلْإِمَامَةِ وَانْظُرْ الْجَوَابَ مَعَ أَسْئِلَةٍ وَأَجْوِبَةٍ فِي شَرْحِنَا الْكَبِيرِ . وَقَوْلُهُ ( اسْتِخْلَافٌ ) نَائِبُ فَاعِلِ نُدِبَ وَهُوَ مُتَوَّجُهُ النَّدْبِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : يُنْدَبُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عِنْدَ وُجُودِ سَبَبٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ وَلَهُ تَرْكُ الِاسْتِخْلَافِ وَيَدَعُ الْقَوْمَ هَمَلًا ، فَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ كَلَامَهُ يُوهِمُ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُنْدَبُ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ عِنْدَ عَدَمِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ بَلْ يَجُوزُ لَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى " اسْتِخْلَافٌ " نَائِبُ فَاعِلِ نُدِبَ أَيْ : يُنْدَبُ الِاسْتِخْلَافُ لِمَا ذُكِرَ وَهَذَا لَا يُفِيدُ أَنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَسْبَابِ يُمْنَعُ مِنْهُ مَعَ أَنَّهُ الْمُرَادُ فَلَوْ قَالَ : صَحَّ لِإِمَامٍ خَشِيَ تَلَفَ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ إلَخْ اسْتِخْلَافٌ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ لَسَلِمَ مِنْ هَذَا وَإِنَّمَا نُدِبَ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ التَّقْدِيمَ فَهُوَ مِنْ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَلِئَلَّا يُؤَدِّيَ تَرْكُهُ إلَى التَّنَازُعِ فِيمَنْ يَتَقَدَّمُ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ ، وَإِنَّمَا يَسْتَخْلِفُ الْإِمَامُ نَدْبًا إذَا تَعَدَّدَ مَنْ خَلْفَهُ فَإِنْ كَانَ
شرح
إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَحْمِلُ عَنْ الْمَأْمُومِ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ بَلْ حَكَى بَعْضُهُمْ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ خِلَافًا لِمَا حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ
[ فَصْلٌ الِاسْتِخْلَافُ فِي الصَّلَاةِ ]
( فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الِاسْتِخْلَافِ ) ( قَوْلُهُ : الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِالشُّرُوطِ ) أَيْ : فِي كُتُبِهِمْ وَقَوْلُهُ : وَفِعْلِهِ . عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى صِفَتِهِ مِنْ قَوْلِهِ : وَتَقَدُّمُهُ إنْ قَرُبَ وَقَرَأَ مِنْ انْتِهَاءِ الْأَوَّلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ قَرَّرْنَا سَابِقًا خِلَافَ ذَلِكَ فَظَهَرَ أَنَّ هَذَا أَحْسَنُ . ( قَوْلُهُ : مُضَمِّنًا لَهُ أَسْبَابَهُ ) أَيْ : ضَامًّا لَهُ أَسْبَابَهُ . ( قَوْلُهُ : خَشِيَ تَلَفَ مَالٍ ) الْخَشْيَةُ فِي عُرْفِهِمْ الظَّنُّ فَمَا دُونَهُ كَذَا قِيلَ فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لُغَوِيٌّ . ( قَوْلُهُ : وَثَبَتَتْ ) تَفْسِيرٌ . ( قَوْلُهُ : سَوَاءٌ كَانَ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ بِمَالٍ لَهُ بَالٌ ) أَيْ : وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ وَأَمَّا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ فَلَا يَسْتَخْلِفُ فَظَهَرَ أَنَّهُ إذَا كَانَ قَلِيلًا لَا يَقْطَعُ وَيَسْتَخْلِفُ ضَاقَ الْوَقْتُ أَوْ اتَّسَعَ وَأَمَّا إذَا كَانَ كَثِيرًا فَيُفَصَّلُ ، هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَخْشَ هَلَاكًا أَوْ شَدِيدَ أَذًى وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْقَطْعُ ضَاقَ الْوَقْتُ أَوْ لَا كَثُرَ أَوْ قَلَّ وَمِثْلُ الْإِمَامِ فِي الْقَطْعِ وَعَدَمِهِ الْمَأْمُومُ وَالْفَذُّ وَاخْتُصَّ الْإِمَامُ بِنَدْبِ الِاسْتِخْلَافِ . ( قَوْلُهُ : مَعَ كَثْرَةِ الْفَصْلِ ) عَبَّرَ بِالْكَثْرَةِ لِلْوَاقِعِ وَإِلَّا فَالْمَدَارُ عَلَى الْفَصْلِ كَمَا تُفِيدُهُ الْعِبَارَةُ حَيْثُ قَالَ : لَكِنَّهُ لَا يُغْتَفَرُ مَعَ الْفَصْلِ . ( قَوْلُهُ : لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَخْ ) فِيهِ نَظَرٌ بَلْ يُعْلَمُ مِنْهُ الْمُسْتَخْلِفُ بِكَسْرِ اللَّامِ فَتَأَمَّلْ . ( قَوْلُهُ : وَأَمَّا خُرُوجُهُ إلَخْ ) فِيهِ أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْعِبَارَةِ حَتَّى يُتَوَهَّمَ أَنَّ النَّدْبَ يَنْصَبُّ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ : إنَّ الِاسْتِخْلَافَ مُتَضَمِّنٌ لِلْخُرُوجِ فَصَحَّ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ .
( قَوْلُهُ : وَأَحْرَى لَوْ شَكَّ فِي وُضُوئِهِ ) قَالَ فِي ك : وَانْظُرْ هَذَا مَعَ ظَاهِرِ قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ وَإِنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ ثُمَّ بَانَ الطُّهْرُ لَمْ يُعِدْ مِنْ صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَعَدَمِ الِاسْتِحْبَابِ فَيُنَافِي جَعْلَهُمْ هُنَا الشَّكَّ فِي الْوُضُوءِ مِنْ أَسْبَابِهَا إلَّا أَنْ يُحْمَلَ مَا هُنَا أَنَّهُ شَكَّ هَلْ حَصَلَ وُضُوءٌ أَمْ لَا وَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ شَكَّ فِي طُرُوِّ النَّاقِضِ فَلَا مُنَافَاةَ اه - .
وَلِذَلِكَ قَالَ غَيْرُهُ : وَمِنْ فَوَائِدِهِ شَكُّهُ فِي الصَّلَاةِ هَلْ دَخَلَ بِوُضُوءٍ أَمْ لَا فَيَسْتَخْلِفُ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ سَحْنُونَ وَكَذَا إنْ تَحَقَّقَ الْحَدَثُ وَالْوُضُوءُ وَشَكَّ فِي صَلَاتِهِ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا اه - .
( قَوْلُهُ : وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِكَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ ) أَيْ : لِأَنَّ ابْنَ عَرَفَةَ جَعَلَهُ مِنْ مَوَانِعِ الْإِمَامَةِ لَا مِنْ مَوَانِعِ الصَّلَاةِ . ( قَوْلُهُ : وَانْظُرْ الْجَوَابَ إلَخْ ) وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْمَعْنَى : أَوْ مُنِعَ إتْمَامَ الصَّلَاةِ إمَامًا بِرُعَافٍ وَلَا يَمْنَعُهُ عَطْفٌ سَبَقَ عَلَيْهِ إذْ تَقْدِيرُهُ بِدَلَالَةِ الْمَقَامِ أَوْ مُنِعَ الصَّلَاةَ نَفْسَهَا لِأَجْلِ سَبْقِ حَدَثٍ قَالَ عج فَإِنْ قِيلَ : لِمَ لَمْ يَسْتَخْلِفْ فِي الرُّعَافِ إذَا أَوْجَبَ الْقَطْعَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَقَطَتْ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ قُلْت : لَعَلَّ أَمْرَ الرُّعَافِ أَشَدُّ إذْ قَدْ قِيلَ بِنَقْضِهِ الطَّهَارَةَ فَإِنْ قِيلَ قَدْ جَعَلُوا لِمَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ الِاسْتِخْلَافَ فَهَلَّا كَانَ الرُّعَافُ مِثْلَهُ قُلْت : لَعَلَّ مُنَافَاتَهُ أَكْثَرُ وَفِيهِ شَيْءٌ وَقَدْ يُقَالُ : إنَّ الْبِنَاءَ فِي الرُّعَافِ رُخْصَةٌ فَيُقْتَصَرُ فِيهَا عَلَى مَحَالِّهَا ، وَحَمَلَ اللَّقَانِيِّ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ عَلَى رُعَافٍ يَمْنَعُ الْبِنَاءَ كَمَا لَوْ تَكَرَّرَ كَمَا عِنْدَ ابْنِ زَرْقُونٍ أَوْ زَادَ عَنْ دِرْهَمٍ أَوْ لَطَّخَهُ اه - .
( قَوْلُهُ : وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى اسْتِخْلَافٌ إلَخْ ) هَذَا الِاعْتِرَاضُ عُلِمَ جَوَابُهُ مِنْ الَّذِي قَبْلَهَا . ( قَوْلُهُ : وَلِئَلَّا يُؤَدِّيَ ) لَيْسَ هَذَا تَحْقِيقًا بَلْ مُحْتَمَلًا فَلَا يُقَالُ قَضِيَّتُهُ أَنَّ ذَلِكَ يَجِبُ .