غليظة يابسةً عن الإيمان بي ، والتوفيق لطاعتي ، منزوعةً منها الرأفةُ والرحمة .
* * *
وقرأ ذلك عامة قراءة الكوفيين : ( وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً ) .
* * *
ثم اختلف الذين قرأوا ذلك كذلك في تأويله .
فقال بعضهم : معنى ذلك معنى " القسوة " ، لأن " فعيلة " في الذم أبلغ من " فاعلة " ، فاخترنا قراءتها " قسية " على " قاسية " لذلك .
* * *
وقال آخرون منهم : بل معنى " قسِيَّة " غير معنى " القسوة " ، وإنما " القسية " في هذا الموضع : القلوبُ التي لم يخلص إيمانها بالله ، ولكن يخالط إيمانها كُفْر ، كالدراهم " القَسِيَّة " ، وهي التي يخالط فضّتها غشٌّ من نحاس أو رَصاص وغير ذلك ، كما قال أبو زُبَيْد الطائي :
لَهَا صَوَاهِلُ فِي صُمِّ السِّلامِ كَمَا . . . صَاحَ القَسِيَّاتُ فِي أَيْدِي الصَّيارِيفِ ( 1 )
هامش
( 1 ) المعاني الكبير : 1024 ، 1025 ، وأمالي القالى 1 : 28 ، وسمط اللآلئ : 128 ، 931 ، واللسان ( أمر ) ( صهل ) من قصيدته في رثاء أمير المؤمنين المقتول ظلمًا ، ذي النورين عثمان بن عفان ، يقول فيها : يَا لَهْفَ نَفْسِي إنْ كَانَ الَّذِي زَعَمُوا . . . حَقًّا ، وَمَاذَا يَرُدُّ الْيَومَ تَلْهِيفِي ! !
إِنْ كَانَ عُثْمَانُ أَمْسَى فَوْقَهُ أَمَرٌ . . . كَرَاقِبِ العُونِ فَوْقَ القُنَّةِ المُوفِي
" الأمر " ( بفتحتين ) : الحجارة . و " العون " جمع " عانة " ، وهي حمر الوحش . " وراقب العون " : الفحل الذي يحوطها ويحرسها على مربأة عالية ، ينتظر مغيب الشمس فيرد بها الماء .
ثم يقول بعد ذلك : يَا بُؤْسَ لْلأرْضِ ، مَا غَالَتْ غَوَائِلُهَا . . . مِنْ حُكْمِ عَدْلٍ وَجُودٍ غَيْرِ مَكْفُوفِ ! !
على جَنَابَيْهِ مِنْ مَظَلُومَةٍ قِيَمٌ . . . تَعَاوَرَتْهَا مَسَاحٍ كَالْمَنَاسِيفِ
لَهَا صَوَاهَلُ فِي صُمِّ السِّلامِ ، كَمَا . . . صَاحَ القَسِيَّاتُ فِي أَيْدِي الصَّيَارِيفِ
كَأنَّهُنَّ بِأَيْدِي الْقَوْمِ فِي كَبَدٍ . . . طَيْرٌ تَكَشفُ عَنْ جُونٍ مَزَاحِيفِ
قوله : " جنابيه " أي : جانبيه . " مظلومة " : حفرت ولم تكن حفرت من قبل ، يعني أرض لحده . " قيم " جمع " قامة " : يعني ما ارتفع من ركام تراب القبر . و " المساحي " جمع " مسحاة " : وهي المجرفة من الحديد . و " المناسيف " جمع " منسفة " ، وهي آلة يقلع بها البناء وينسف ، أصلب وأشد من المسحاة . و " الصواهل " جمع " صاهلة " مصدر على " فاعلة " ، بمعنى " الصهيل " : وهو صوت الخيل الشديد ، وكل صوت يشبهه . و " الصم " جمع " أصم " ، يعني أنها حجارة صلبة تصهل منها المساحي . و " السلام " ( بكسر السين ) الصخور . و " الصياريف " هم " الصيارف " ، وزاد الياء للإشباع . و " الكبد " : الشدة . و " الجون " : السود . و " مزاحيف " ، تزحف من الإعياء ، يعني إبلا قد هلكت من الإعياء . شبه المساحي بأيدي القوم وهم يحفرون قبره ، بنسور تقع على الإبل المعيية ، ثم تنهض ، ثم تعود فتسقط عليها . وكان قبر عثمان في حرة المدينة ذات الحجارة السود ، فلذلك قال : " عن جون مزاحيف " .