ونصبت " الشهداء " على القطع مما في قوله : " قوامين " من ذكر " الذين آمنوا " ، ( 1 ) ومعناه : قوموا بالقسط لله عند شهادتكم = أو : حين شهادتكم .
= " ولو على أنفسكم " ، يقول : ولو كانت شهادتكم على أنفسكم ، أو على والدين لكم أو أقربيكم ، ( 2 ) فقوموا فيها بالقسط والعدل ، وأقيموها على صحّتها بأن تقولوا فيها الحق ، ولا تميلوا فيها لغنيٍّ لغناه على فقير ، ولا لفقير لفقره على غنيّ ، فتجوروا . فإن الله الذي سوَّى بين حكم الغنيّ والفقير فيما ألزمكم ، أيها الناس ، من إقامة الشهادة لكل واحد منهما بالعدل = " أولى بهما " ، وأحق منكم ، ( 3 ) لأنه مالكهما وأولى بهما دونكم ، فهو أعلم بما فيه مصلحة كلّ واحد منهما في ذلك وفي غيره من الأمور كلها منكم ، فلذلك أمركم بالتسوية بينهما في الشهادة لهما وعليهما = " فلا تتبعوا الهوى أن تَعْدِلوا " ، يقول : فلا تتبعوا أهواءَ أنفسكم في الميل في شهادتكم إذا قمتم بها - لغني على فقير ، أو لفقير على غني - إلا أحد الفريقين ، فتقولوا غير الحق ، ولكن قوموا فيه بالقسط ، وأدُّوا الشهادة على ما أمركم الله بأدائها ، بالعدل لمن شهدتم له وعليه .
* * *
فإن قال قائل : وكيف يقوم بالشهادة على نفسه الشاهدُ بالقسط ؟ وهل يشهد الشاهد على نفسه ؟ ( 4 )
قيل : نعم ، وذلك أن يكون عليه حق لغيره فيقرّ له به ، فذلك قيام منه له بالشهادة على نفسه .
* * *
قال أبو جعفر : وهذه الآية عندي تأديبٌ من الله جل ثناؤه عبادَه المؤمنين أن يفعلوا ما فعله الذين عذَروا بني أبيرق = في سرقتهم ما سرقوا ، وخيانتهم ما خانوا
هامش
( 1 ) " القطع " ، باب من الحال ، انظر ما سلف في فهارس المصطلحات .
( 2 ) في المطبوعة : " أو على والديكم " ، وأثبت ما في المخطوطة .
( 3 ) انظر تفسير " أولى " فيما سلف 6 : 497 .
( 4 ) في المطبوعة : " وهل يشهد الشاهد " ، وفي المخطوطة : " وبما يشهد " .
وأرجح أن ما في المطبوعة هو الصواب ، لقوله في جوابه " نعم " ، وكدت أقرؤها : " وبم يشهد الشاهد " ، لولا أن جواب أبي جعفر دل على غير ذلك .