القول في تأويل قوله : { يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ }
قال أبو جعفر : اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك .
فقرأته قراءة أهل المدينة : ( تَرَوْنَهُمْ ) بالتاء ، بمعنى : قد كان لكم أيها اليهود آيةٌ في فئتين التقتا ، فئة تقاتل في سبيل الله ، والأخرى كافرةٌ ، ترونَ المشركين مِثْلي المسلمين رأىَ العين . يريد بذلك عِظَتهم ، يقول : إن لكم عبرةً ، أيها اليهود ، فيما رأيتم من قلة عدد المسلمين وكثرة عدد المشركين ، وظفر هؤلاء مع قلة عددهم ، بهؤلاء مع كثرة عددهم .
* * *
وقرأ ذلك عامة قراءة الكوفة والبصرة وبعض المكيين : ( يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ ) بالياء ، بمعنى : يرى المسلمون الذين يقاتلون في سبيل الله ، الجماعةَ الكافرةَ مثلي المسلمين في القدْر . فتأويل الآية على قراءتهم : قد كان لكم ، يا معشر اليهود ، عبرةٌ ومتفكرٌ في فئتين التقتا ، فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ، يرى هؤلاء المسلمون مع قلة عددهم ، هؤلاء المشركين في كثرة عددهم .
* * *
فإن قال قائل : وما وجه تأويل قراءة من قرأ ذلك بالياء ؟ وأيّ الفئتين رأت صاحبتها مثليها ؟ الفئة المسلمةُ هي التي رأت المشركة مثليها ، أم المشركة هي التي رأت المسلمة كذلك ، أم غيرهما رأت إحداهما كذلك ؟
قيل : اختلف أهل التأويل في ذلك .
فقال بعضهم : الفئةُ التي رأت الأخرى مثلي أنفسها ، الفئةُ المسلمة رأت عدَد الفئة المشركة مثلي عدد الفئة المسلمة ، قلَّلها الله عز وجل في أعينها حتى رأتها مثلي عدد أنفسها ، ( 1 ) ثم قللها في حال أخرى فرأتها مثل عَدَد أنفسها .
هامش
( 1 ) قوله : " قللها الله عز وجل في أعينها " ، وذلك أن المشركين كانوا أكثر منهم أمثالا ، فأراهم الله عددهم مثليهم وحسب . وسيأتي بيان ذلك بعد قليل . وانظر التعليق التالي .