قال أبو جعفر : وعلة من حظر على المفتدي الأكل من فدية حلاقه وفدية ما لزمته منه الفدية ، أن الله أوجب على الحالق والمتطيب ومن كان بمثل حالهم ، فدية من صيام أو صدقة أو نسك ، فلن يخلو ذلك الذي أوجبه عليه من الإطعام والنسك من أحد أمرين : إما أن يكون أوجبه عليه لنفسه أو لغيره أو له ولغيره .
فإن كان أوجبه لغيره فغير جائز له أن يأكل منه ، لأن ما لزمه لغيره فلا يجزيه فيه إلا الخروج منه إلى من وجب له .
= أو يكون له وحده ، وما وجب له فليس عليه . لأنه غير مفهوم في لغة أن يقال : " وجب على فلان لنفسه دينار أو درهم أو شاة " ، وإنما يجب له على غيره ، فأما على نفسه فغير مفهوم وجوبه .
= أو يكون وجب عليه له ولغيره ، فنصيبه الذي وجب له من ذلك ، غير جائز أن يكون عليه ، لما وصفنا .
وإذا كان ذلك كذلك كان الواجب عليه ما هو لغيره وما هو لغيره بعض النسك ، وإذا كان ذلك كذلك فإنما وجب عليه بعض النسك لا النسك كله .
قالوا : وفي إلزام الله إياه النسك تاما ما يبين عن فساد هذا القول .
* * *
وعلة من قال : " له أن يأكل من ذلك " ، أن الله أوجب على المفتدي نسكا ، والنسك في معاني الأضاحي ، وذلك هو ذبح ما يجزي في الأضاحي من الأزواج الثمانية . قالوا : ولم يأمر الله بدفعه إلى المساكين . قالوا : فإذا ذبح فقد نسك ، وفعل ما أمره الله ، وله حينئذ الأكل منه ، والصدقة منه بما شاء ، وإطعام ما أحب منه من أحب ، كما له ذلك في أضحيته .
* * *
قال أبو جعفر : والذي نقول به في ذلك : أن الله أوجب على المفتدي نسكا إن اختار التكفير بالنسك ، ولن يخلو الواجب عليه في ذلك من أن يكون ذبحه
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر ) — صفحة 85
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٨٥