ولا تغضب ! فقال : لئن حل طلاقُهن لقد حل نكاحهن ، ولكن أنتزعهن منكم صَغَرة قِماءً . ( 1 )
* * *
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله قتادة : من أن الله تعالى ذكره عنى بقوله : " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ " من لم يكن من أهل الكتاب من المشركات = وأن الآية عام ظاهرها خاص باطنها ، لم ينسخ منها شيء = وأن نساء أهل الكتاب غير داخلات فيها . وذلك أنّ الله تعالى ذكره أحل بقوله : ( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) - للمؤمنين من نكاح محصناتهن ، مثلَ الذي أباح لهم من نساء المؤمنات .
وقد بينا في غير هذا الموضع من كتابنا هذا ، وفي كتابنا ( كتاب اللطيف من البيان ) : ( 2 ) أن كل آيتين أو خبرين كان أحدهما نافيًا حكم الآخر في فطرة العقل ، فغير جائز أن يقضَى على أحدهما بأنه ناسخ حكم الآخر ، إلا بحجة من خبر قاطع للعذر مَجيئُه . وذلك غير موجود ، أن قوله : ( 3 ) ( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ) ناسخٌ ما كان قد وجبَ تحريمه من النساء بقوله : " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ " . فإذ لم يكن ذلك موجودًا كذلك ، ( 4 ) فقول القائل : " هذه ناسخة هذه " ، دعوى لا برهان له عليها ، والمدعي دعوَى
هامش
( 1 ) الأثر : 4221 - " عبد الحميد بن برهام الفزاري " ، مترجم في التهذيب ، وثقه أبو داود وابن معين وغيرهما ، وقال شعبة : صدوق إلا أنه يروي عن شهر بن حوشب ، وعابوا عليه كثرة روايته عن شهر ، وشهر ضعيف . وقد سلف كلام أخي في توثيق شهر رقم : 1389 ، وفي عبد الله بن بهرام : 1605 . وقال ابن كثير في التفسير 1 : 507 بعد روايته الخبر : " هو حديث غريب جدًا ، وهذا الأثر غريب عن عمر " . وكلام الطبري الآتي بعد قاض بضعفه .
والصغرة جمع صاغر : هو الراضي بالذل . وقماء جمع قميء : وهو الذليل الصاغر وإن لم يكن قصيرًا . والقميء : القصير . وفي المخطوطة وابن كثير " قمأة " ، وليس جمعًا قياسيا ، ولا هو وارد في كتب اللغة ، ولكن إن صح الخبر ، فهو اتباع لقوله : " صغرة " ومثله كثير في كلامهم .
( 2 ) انظر ما سلف 2 : 534 - 535 / ثم 3 : 385 ، 563 .
( 3 ) في المطبوعة : " بأن قوله " : وأثبت ما في المخطوطة ، وهو أعرق في العربية .
( 4 ) في المخطوطة والمطبوعة : " فإن لم يكن ذلك " ، وهو خطأ صرف ، والصواب ما أثبت . وإلا تناقض كلام أبي جعفر .