يقال للممكن من نفسه مما أريد به : " أعطى بيديه " .
* * *
فمعنى قوله : " ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة " ، ولا تستسلموا للهلكة ، فتُعطوها أزمَّتكم فتهلكوا .
والتارك النفقةَ في سبيل الله عند وجوب ذلك عليه ، مستسلم للهلكة بتركه أداءَ فرضِ الله عليه في ماله . وذلك أن الله جل ثناؤه جَعل أحد سِهام الصدقات المفروضات الثمانية " في سبيله " ، فقال : ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ) إلى قوله : ( وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ ) [ سورة التوبة : 60 ] فمن ترك إنفاق ما لزمه من ذلك في سبيل الله على ما لزمه ، كان للهلكة مستسلما ، وبيديه للتهلكة ملقيا .
وكذلك الآئسُ من رحمة الله لذنب سلف منه ، مُلق بيديه إلى التهلكة ، لأن الله قد نهى عن ذلك فقال : ( وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) [ سورة يوسف : 87 ] .
وكذلك التارك غزوَ المشركين وجهادَهم ، في حال وجوب ذلك عليه ، في حال حاجة المسلمين إليه ، مُضيعٌ فرضا ، مُلقٍ بيده إلى التهلكة .
فإذ كانت هذه المعاني كلها يحتملها قوله : " ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة " ولم يكن الله عز وجلّ خصَّ منها شيئًا دون شيء ، فالصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله نهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا ، والاستسلام للهلكة - وهي العذاب - بترك ما لزمنا من فرائضه ، فغيرُ جائز لأحد منا الدخول في شيء يكرهه الله منا ، مما نستوجب بدخولنا فيه عَذابَه .
غير أن الأمر وإن كان كذلك ، فإن الأغلب من تأويل الآية : وأنفقوا أيها المؤمنون في سبيل الله ، ولا تتركوا النفقة فيها ، فتهلكوا باستحقاقكم - بترككم ذلك - عذابي . كما :
3181 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنا معاوية ، عن
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر ) — صفحة 593
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٥٩٣