القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا }
قال أبو جعفر : قد دللنا فيما مضى قبل على أن تأويل الظلم : وضع الشيء في غير موضعه . ( 1 ) وتأويل قوله : ( ومن أظلم ) ، وأي امرئ أشد تعديا وجراءة على الله وخلافا لأمره ، من امرئ منع مساجد الله أن يعبد الله فيها ؟
* * *
و " المساجد " جمع مسجد : وهو كل موضع عبد الله فيه . وقد بينا معنى السجود فيما مضى . ( 2 ) فمعنى " المسجد " : الموضع الذي يسجد لله فيه ، كما يقال للموضع الذي يجلس فيه : " المجلس " ، وللموضع الذي ينزل فيه : " منزل " ، ثم يجمع : " منازل ومجالس " نظير مسجد ومساجد . وقد حكي سماعا من بعض العرب " مساجد " في واحد المساجد ، وذلك كالخطأ من قائله .
* * *
وأما قوله : ( أن يذكر فيها اسمه ) ، فإن فيه وجهين من التأويل . أحدهما : أن يكون معناه : ومن أظلم ممن منع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه ، فتكون " أن " حينئذ نصبا من قول بعض أهل العربية بفقد الخافض ، وتعلق الفعل بها .
والوجه الآخر : أن يكون معناه : ومن أظلم ممن منع أن يذكر اسم الله في مساجده ، فتكون " أن " حينئذ في موضع نصب ، تكريرا على موضع المساجد وردا عليه . ( 3 )
* * *
وأما قوله : ( وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ) ، فإن معناه : ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن
هامش
( 1 ) انظر ما سلف 1 : 523 - 524 ، وهذا الجزء 2 : 101 - 102 ، 369
( 2 ) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 104 - 105 .
( 3 ) قوله : " تكريرا " ، أي بدل اشتمال .